كما ذكرنا ان موقفنا يختلف عن الأسلاف فعندما بدأ الاسلاف عملهم لم يكن لديهم سوي الكتاب والسُنة، أما نحن فلدينا بالاضافة إلي هذين أصول اخري جاء بها التطور واستحدثتها ثورة المعرفة في "اربعة جنبات العالم". ونجد اصولا لها في القرآن الكريم وفي روح الاسلام ولكن روح العصر القديم. وبدائية وسائل ومعدات البحث حال دون ظهورها فنحن اليوم ننفض عنها الغبار وندفه بها في خضم المعركة.
لقد قرأ الاسلاف القرآن علي ضوء شمعة أو سراج ينونص، اما نحن فننظر فيه تحت ضوء المصباح الكهربائي قوته الف شمعة، فنري ما لا يرون ويصبح لدينا مكونات جديدة.. هذه المكونات هي الانسان، والزمان، والحكمة.
أولا الانسان:
عرف الاسلام الجاهلية علي صورة للانسان تختلف اختلافا حاسما عن الصورة المغلقة المحكومة بالاعراف. فقد تحدث عن الانسان كاسم جنس "يا بني آدم" وربطه بالله تعالي الذي خلقه في احسن تقويم وكرمه اعظم تكريم وجعله خليفة في الارض وعلمه الأسماء كلها واسجد له الملائكة وسخر له قوي الطبيعة بحيث استطاع هذا الانسان ان يتحمل الامانة التي عجزت عن حملها واشفقن منها السموات والارض.
وكان هناك معني أعلنه القرآن حينا وتضمنه السياق حين آخر ذلك هو أن الله تعالي انزل القرآن للانسان ولم ينزل الانسان للقرآن. فالقرآن بكل قداسته ليس إلا الوسيلة التي أوحي بها الله تعالي لتحقيق غاية هي هداية الإنسان واخراجه من الظلمات الي النور.
لهذا فإن الانسان في أصل كل توجيهات القرن وهو محور الخطاب القرآني، واذا كان القرآن هو المنبع فان الانسان هو المصب.
وليس شرطا أن يكون الصحابة قد تبينوا هذه الحقائق بالصورة التي نعرضها، والتي لم نتوصل نحن انفسنا اليها الا بفضل الثقافات والمعارف الحديثة، ولكن هذه المعاني نفسها انطبعت في نفوسهم واستشفوها بحكم تلاوتهم للقرآن واستماعهم له ثم ضربت ممارسات الرسول الذي كان "خلقه القرآن" لهم المثل وما يكون عليه تطبيق توجيهات القرآن.
فالقرآن الكريم قدس الحياة الانسانية ونهي عن قتل الإنسان الا اذا قتل آخر عامدا متعمدا وان كان قد فتح الباب لإحلال الدية أو الصفح محل القصاص.
وأراد القرآن ان يجفف منابع الرق، فحصرها في منبع واحد هو أسري الحرب بين المسلمين والمشركين ثم جعل مصير هؤلاء الاسري "فاما منا بعد وإما فداء". وحتي يتم هذا فقد جعل القرآن "عتق رقبة" كفارة للكثير من الذنوب، وجاء الرسول فطبق هذا في غزواته فاعتق اسراها وزاد في الكفارات وفي الوقت نفسه، حرر الرق من اسوأ ما فيه وهو المعاملة الوحشية التي كان العبيد يلاقونها - الي الدرجة التي اعتبر فيها ضرب السيد لعبده أو صفعه امرا يوجب عتقه ولدينا ثلاث حالات لذلك مما سجله التاريخ - جارية ابناء مقرن - عبد ابي مسعود - عبيد من استفتي الرسول في ضربه اياهم مما دفعه لتحريرهم، وبهذا وجد من لا يميز بين العبد وسيده لانهما معا يلبسان زيا واحدا.
وساوي الاسلام ما بين الرجال والنساء ولم يفضل القرآن الرجال علي النساء او النساء علي الرجال وانما قال "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم علي بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله" اما درجة القوامة فهي مسئولية رعاية المرأة في وقت ما كان يمكن للنساء ان يقمن بها، واحاط الرسول النساء بكرامة خاصة وقال الرسول إنه لو كان مفضلا احدا لفضل النساء، وجعل الجنة تحت اقدام الامهات الي آخر ما هو معروف وما كان موضوعا لعدد كبير من الكتب.
واعتبر الاسلام "بني آدم" سواء لا تفصل بينهم حواجز اللون أو العنصر أو اللغة الخ... وأي شيء اجمل من الآية "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فانظر الي الاعجاز الذي جعل هذه الكلمات الموجزة تستبعد الفروق العرقية وتساوي بين الذكر والأنثي وتجعل الأفضلية للتقوي. وتأمر بالتعارف بين الشعوب بعضها بعضا.
وفي المجتمع الإسلامي ايام الرسول كان صهيب الرومي، وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، كما كان العبيد الذين حررهم أبوبكر وغيرهم يكونون جميعا أسرة واحدة يعاملون جميعا علي قدم المساواة ولا يتفاضلون إلا بالعمل والتقوي الي درجة تمني فيها عمر لو كان سالما "وهو مولي أبي حذيفة" حيا لأوصي له بالخلافة. وعندما طعن في المسجد أمر صهيب بأن يؤم الناس.
منقول للفائدة