حين كنت أبحث عن شىء أبعد من سذاجة الملل الذي لايرفع ذراعيه عني ...عن شىء أبعد من الشمس المواجهة لغرفتي ..أبعد من فمي المحشو بخرافات لاتصيب الوحدة واليباس ....كان هنالك يشاجر الزحام وكان أسودا طويل بحيث أعلو سرته بقليل . لاأدري منذ متى يعرفني ...؟ منذ متى أنط رشيقة في عينيه ...؟ لم أنتبه له وهو ينمو على أصابع الانتظار ، ويتقوقع في لهفة لاتخبو ..لم أنتبه له وهو يذوب في الزوايا ، وحين أقرأ نصوصي في الأمسيات يختبىء في المقاعد البعيدة ، ثم يصفق بإيماءة من رأسه .....ولا يأتي !!
كانت الفتنة تشتعل على جلده الأسود وكأنه يقتات ثراء الإغراء من رطوبة يودعها عذبة في القلب ...وكنت أنا السمراء أظنني سأتصالح مع مع طينته ومزاجه بلوني الح
ا يادي الذي لا يجادل ليحظى بمشروعيته ،لون يقبع بين الحدين الشارخين مسترخي ،وهادىء ...كما ظننته سيأتي في أحد المرات القليلة التي تحيكها مصادفة لكنه يأتي دائما متأخرا يجلس في المقعد قبل الأخير يرجع رأسه إلى الخلف يحزم يديه أمام صدره ثم يصفق بإيماءة من رأسه ...من أين يأتي ...كيف يذهب .....لاأعرف !! كل مااستطعت التكهن به أنه رجل أفريقي ....غريب مثلي ...وربما أيضا وحيد .
لم يكن هنالك الكثير فقط بعض الابتسامات المرتجفة التي قطفناها غضة في شوارع محنكة بالقسوة تشحذ عينيها قناديلنا ووردنا المصفر ....ففي شوارع لاتكف عن الخوف والتبرقع يصعب عليك أن تصطاد فيها أكثر من الحذر والريبة .....رغم ذلك لاأدري لماذا خطر بذهني أن أخرج باكرا بسنارة الحظ لاصطياد لحظتي التي لو بقيت بين جدارني الأربعة كانت ستحزم حقائبها و تغادر .....؟ ربما لأنني تذكرت صديقا كان قد سألني ذات مرة :
_ لماذا تدعكين أزرار الذاكرة بالحكايات ،وتحتسين صباحا معها القهوة ..؟
أخبرته :
_ الحكايات ياصديقي أربيها لأجلي فقط ...ليست لأحد تبدو لي كالأعمال الصالحة التي ستؤنسني في وحشة القبر ...ياإلهي كم أشفق على أولئك الذين يتركون جدران ذاكرتهم فارغة لن يجدو مايمضغوا به الوقت والملل ...وحدي من سأبتهج بذاكرة ثرثارة ، وسأضحك حين لايعرف الدود من أين ينخر قهقهتي ،وأسراري وتفاحي الشهي ....
خرجت ،وماكدت أعدو باب شقتي حتى صادفت الرجل الأسود هكذا يحلو لي أن أسميه ليس لأن لونه علامة فارقة ،ولكني كنت دائما أحب هذا اللون الثوري الساخن على عكس ماهو متعارف عليه أن الشعوب الأفريقية هي شعوب كسولة وخاملة ....انتبه لي ....كنت سأتجاوزه ،وأنا أتذكر قصيدة ل (محمد فيتوري :
أنا زنجي
وأفريقيتي لي لا للأجنبي المعتدي
أنا فلاح ،ولي أرضي
التي شربت تربتها من جسدي
أنا إنسان ،ولي حريتي
مد يده مصافحا فصافحته ....سألني عني ...دراستي ....الصيف وكنت أجيبه باقتضاب لأغادره لكنه كان مصرا على أن يتحدث أشار إلى أن نمشي سويا دون أن يترك لي مجالا للرد عليه هكذا وجدت نفسي أجاوره بلا موعد مسبق ،وأسير .
حدثني بنهم شديد عن الأدب والفلسة ...الدول التي زارها ،وأحبها ...كما همس لي ببعض مواقفه السياسية حول مايدور هنالك في بلاده خوفا من آذان الهواء كان يثرثر بطريقة مدهشة وكنت أقع في حسده لأنه (لن يشعر بوحشة القبر ...فلديه الكثير ليقوله للدود ليتشاغل عنه ).
فاجأني حين سألني عن اسمي ...جنسيتي .....ياإلهي هذا الرجل الذي يلاحقني منذ عامين كالظل مايزال يجهل هويتي ....؟ حك مؤخرة رأسه وهو يدس عينينه في الإسفلت خجلا :
_ اعذريني لاأحفظ اسمك ....جنسيتك ...كل ماأعرفه أنك كائن حي يشبه أفريقيا ......؟
هل حقا يعني مايقوله ....وكيف أشبهها...؟ أبديت له غبطتي دون أن استفسر رغم أن الأسئلة كانت تحكني لكني وجدته يشرع دراعيه وكأنه سيعانق الهواء وهو يلتفت لي :
_ صدقيني لاأمزح .....أنت تشبهين أفريقيا حين تكون محافظة بعاداتها وتقاليده خارجيا ....وثائرة ....ملتهبة برغبة التغير من الداخل ....
يال التشبيه الغريب .....ربما كان متحمسا لي بأكثر مما ينبغي ،تجاهلت اطراءه الذي دغدغ أوردة الفرح لكني سرعان ماأدرت دفة الحديث عن المرأة هناك في بلاده فأخبرني :
_ ياإلهي ينبغي أن نقيم جمعيات لحفظ حقوق الرجل ...لأن المرأة هنالك هي كل شىء ...تصوري أنها هي التي تطلق الرجل بالمعنى الفعلي ..وذلك حين تغضب عليه تحمل حاجياتها وتغادر إلى بيت أهلها ..وحينها لاتوجد قوة على وجه الأرض يمكن أن تعيدها ...والأنكى من ذلك أنها إذا زغردت ثلاث مرات فمعنى ذلك أنها طلقته وينبغي عليه أن يرسل لها الورقة الرسمية .
ضحكت :
_ يال هذه المرأة تدخل العشة الزوجية بالزغاريد ،وتغادرها بالزغاريد ...جميلة هي في التعبير عن الفرح والحزن ....
يشاركني الضحك ،وهو يضيف :
_ ليس هذا وحسب ...المرأة لدينا تهرب ليلة العرس ،وتترك للزوج مهمة البحث عنها ....قد يخطر ببالها أن تسافر وتتركه معلقا لوحده ....وهذا التقليد متبع لدينا لتحسس المرأة الرجل أنه لن يحصل عليها بسهولة .
فتحت فمي من الدهشة ،وهو يتابع شهيتي للحديث عن المرأة الأفريقية فاسترسل في الكثير من التفاصيل كنا نتحدث بصوت مرتفع ونقهقه ،وكأنه لايوجد سوانا على وجه البسيطة .
لاأدري كيف مرق الرجل الأسود خفيفا على روحي، وغسلها بالحكايات لتستعيد رقتها وشىء من السرور الغائب ،كنت أفكر حينها كيف التقت بدويتي بزنجيته في هذا الطريق الذي لايعرف الكثير عنا ..بادرته :
_ ليس من عادتي أن أندلق بسرعة مع الغرباء ....لاأدري كيف تآلفنا ....ربما لأننا كنا نشكو من الوحدة ....؟
وقف أمامي مباشرة ووجهه الأسود يخاتل أنفاسي مستطردا :
بالنسبة لي الأمر مختلف أنا الرجل المغترب الأسود (ورغم أن هذه البلاد البيضاء فتحت قلبها لي ) إلا أن حنينا حامضا كان يشير صوب البلاد ....وكنت أنت كائن حي ، ويشبه أفريقيا ....
انتابتني رغبة غريبة .....أن أضم هذا الرجل الأسود إلى صدري ،وأبكي معه .....كان لاينقصنا سوى البكاء ....كان هذا كل مانحتاجه ...كنت وهو كالأطفال اللذين تنقصهم الحلوى والدمى ليلة العيد .....فقط كنت بحاجة لأن أكافىء روحينا ......
انتبهت للمسافة الطويلة التي قطعناها ،وانتبه هو لخطواتي التي تباطأت
_ ستذهبين ...؟
_ تأخر الوقت .
_ كيف سأتواصل معك ...هنالك هاتف أرضي ....أو حتى جوال ....؟
_ لا أدري ربما من الأفضل أن تنتظر مصادفة أخرى
_ أخشى أيضا أن اضطر إلى مراسلتك عبر الحمام الزاجل
_ سأبتهج بذلك ....
تمتمت قبل أن أغادره :
سعيدة لأني في اعتقادك أشبه أفريقيا .
ناولني ورقة كان قد كان قد سجل عليها رقم هاتفه وبريده الالكتروني ،وعلق أسفل الورقة(لأنك أنت ....سأنتظرك )تناولت الورقة من يده دون أن ارتبك وكتبت عليها ( لأنك أنت ...سأوصد قلبي جيدا )ثم أعدت الورقة وماكدت أعدو عدة خطوات حتى التفت إليه وهو يلوح لي بيده فأرسلت له ابتسامة خضراء .
لاأدري لماذا خطر ببالي أن أركض في جهات البلاد المتخفية خلف(البرستيج ...الاتيكيت ...) ...لاأدري أيضا لماذا كان قلبي يرقص كلما مرقت النسمات القليلة مقبلة جبهتي .؟؟ربما لأنني كسرت شبابيك تعاستي وخرجت لأعلق مرايا تضحك وتعبث بالألون ...وربما أيضا لأنني عثرت على حكاية لن ينخرها الدود بسرعة .....