هل فقد العالم رومانسيته ، وهل اضاعت خطى العشاق دروبها ؟
هل تخلى الشعراء عن خيالاتهم ؟
هذا ما يبدو لي ، وقد يبدو لكثيرين غيري ، الهدوء يتحول الى صخب والصمت يتحول الى ضجيج ،كل شي لم يعد كما كان قبل قرن اونصف قرن مضى ، الحقول الخضر تحولت الى مصانع وشوارع وعلب من الاسمنت . شجيرات الياسمين ، نراها في الاحلام .... لابل حتى احلامنا ما عادت تسعفنا بتلك الاطلالة الجميلة الهادئة او بجلسة على شاطى نهر ، او فوق تلة يسرح من فوقها الخيال نحو مسارب احلام مرتقبة .
المسألة تبدو لي كانها ليست مسألتنا، ونحن لم نعد نحن في هذا الزمان الغريب العجيب ، كل شي فينا اصبح غير ما كان ، وغير ما بدأ. ولربما تسأل ، ويسأل ، وتسألون كلكم ، ما الذي حدث ولماذا صار كل الذي صار ؟
اقول انها الميكانيكية الحديثة التي ابعدت مسارب الروح عن دروب الحياة .... نمت وتغذت بفعل الحديد والنار وتلونت بدخان اسود غلف عليها منافذ الروية .
تلك هي المسألة بكل بساطة .
العصر الالكتروني قتل الاحلام في الذاكرة ، اضاع قوافي الشعراء ، هدم ممالك العشق والخيال، قتل في النفس وجدانها .
المسألة بكل بساطة تتمثل بتلك الفوضة السائدة في كل شي ،في قصائد المحدثين واغاني المجددين وافلام المخرجين ، التي تجردت عن معاني الهدوء والجمال ومساحات الحلم الواسعة التي كانت تمثلهاافلام القرن العشرين مثل الطاحونة الحمراء وتانغو وروميو وجوليت والحب المسحور وكارمن وعرس الدم وسابكي غدا وامراتان وصوت الموسيقى وغيرها من افلام الجمال والهدوء والرومانسية التي تمنح برؤياها جيل الاباء بعيدا عن الافلام ( الكارثية ) القاتمة التي ملأءت حياتنا من خلال شاشات العرض بالموت والحرائق والدمار الكبير.
الافلام الكارثية .. كارثة
على عكس ماكانت عليه الافلام القديمة من معاني الحب والجمال ودفق الحياة وانسيابية الافكار البيضاء الناصعة، فان الافلام الجديدة التي مافتئت تغزو دور العرض في المدن الكبيرة والصغيرة وملأت فقرات برامج الفضائيات، جاءت لتوحي الى الجيل الحاضر بنهاية مفجعة للعالم من حيث اعتماد افكارها الاساسية على التصدي لكوارث طبيعية او فاجعة اصطناعية، ارضية كانت ام فضائية، حقيقة كانت ام متخيلة كما يصفها (صلاح سرميني) حيث اطلق عليها في باريس افلام الدينصورات والقرود والارواح الفضائية الشريرة المهددة للبشرية . ان هذه الافلام كما صممها مخرجوها تنبعث الينا من الماضي البعيد او تنبثق من الحاضر الراهن او تحدث في المستقبل القادم، فتهدد مجموعة بشرية محددة او عامة، وتبدا احداثها عادة من الاحساس بالاخطار، يتبعها محاولات بطولية للقضاء عليها عن طريق القدرات البشرية الفردية او بفضل المبتكرات الحديثة من الوسائل التكنلوجية، ان هذه الافلام كما يقول سرميني حققت اهدافها واصبح المتفرج متلقيا سلبيا ومستهلكا نموذجيا في السلبية، يفتقد القدرة على الرفض او النقد لما يرى او يشاهد من هذه الافلام التي ملأت رؤس مشاهديها بهلوسات اشبه بهلوسة المخدرات ، فلم يعد بامكان من يشاهدها ان يتحاشى الربط بينما شاهده على الشاشة من احداث متخيلة وبين الحقيقة.
تسعى هذه الافلام الى تطبيع المتفرج مع الخوف سواء كان فردا في دار عرض كبيرة او جماعة في بيت العائلة لما تتضمنه من عنف ودمار حتى وان اكتشف المتفرج عليها بأنها افلام كاذبة مخادعة ملفقة، مصطفة وضارة الى حد بعيد
لقد سعت الدول الكبرى على استعمال هذا النهج من الممارسات المؤذية من خلال انتاجها ورعايتها لهذه الافلام التي استخدمتها كسلاح اخر موجه نحو العقول البشرية في عموم القارات الفقيرة او المتخلفة، تروج من خلالها لثقافة جديدة تمتلكها تلك الدول المنتجة، بعد ان تمنحها كل الامكانات المادية والتقنية انتاجا وتوزيعا ، لتعبر قارات الارض معها رسائل واضحة وخطيرة تقدمها للملايين يدفعون ثمن مشاهدتها طوعا.
في هذه الافلام، كمافي غيرها من الانتاجات السينمائية الكبرى التي اعتمدت على ثيمة (كوارثية) فأن على البشرية مواجهة اخطار تنبثق من اعماق التاريخ او تهبط من عوالم فضائية مجهولة، فتفرض حالة تأهب دائمة وتسليحا مستمرا وارتباطا بالاخر لمصارعة ديناصورات عملاقة شريرة او خلايا ميكروسكوبية تتطور بسرعة مذهلة وتتحول الى حيوانات قذرة، اولمحاربة الملك العقرب المنبعث من عالم سحيق سبق ميلاد السيد المسيح بخمسة الاف سنة ليقود جيشا من الاف الاقزام الصغيرة لمحاربة البشر وتهديد حقيقة العالم الذي نعيش فيه او لتشويه الحضارات القديمة كما في فلم ( لارا كروفت .. نابشة القبور ) لمخرجه " سيمون ويست " وفيه تحاول البطلة العشرينية ابنه عالم الاثار المتوفي منع منظمة سرية من امتلاك ساعة قديمة يمكن لها ان تفتح ابواب الزمان والمكان ، وتقوم البطلة بتدريب نفسها في ديكور يمثل احد المعابد الفرعونية فتواجه خلال ذلك مومياوات الية شرسة وغبية ، وهي بذلك تدلل بايحاء واضح بان مفاتيح الشر تكمن في معابد الحضارات القديمة البعيدة عن حضارتها (حضارة القتل والدم والدمار)
هذه الافلام احاطت بنا في كل مكان ومن كل اتجاه، في الشارع حيث السينما او المقهى او النادي،او في البيت حيث يركن الانسان الى الهدوء والراحة والسكون .
انها افلام ملوثة للعقل والفكر والمعرفة، وماسخة لحضارة الانسان التي تعاقبت على مر الاجيال وهي تبني الحقيقة لحياة اكبر واهداف اسمى وهي غير الحقيقة وغير الحياة التي تهدف اليها الافلام الكارثية الملعونة.
طبعا موضوع منقول بس عجبني فاحبيت انزله في المنتدى