![]() |
| |||||||
| التسجيل | التعليمـــات | ضوابط وقوانين | الكلمات الدلالية (Tags) | البحث | مشاركات اليوم | اجعل كافة الأقسام مقروءة |
| عالم حواء يضم هذا المنتدى أقسام تخص المرأة، مناقشات المرأة، كلام في المرأة وعالم المرأة. |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
| | #2 (permalink) |
| Elking | متعلقاً بالمسائل المادية ، فان الأبدان متساوية وإذا كان متعلقاً بالمسائل المعنوية ، فالأرواح متساوية ، فمثلاً قال بشأن الرزق . ( وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام ) (1) . ثم قال : ( سواء للسائلين ) . ان المقصود من السؤال هنا هو السؤال العملي والاستيعابي . كل من لديه قابلية كسب وقدرة على الاستفادة من المصادر الأرضية يمكنه الاستفادة بدون امتياز ( سواء للسائلين ) . وفي ما يتعلق بالمعارف أيضاً كل من سأل أخذ الجواب أيضاً . ورغم انه تعالى قال في هذه الآية : ( قدّر فيها أقواتها في أربعة أيام ) لكنه قال في سورة عبس : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) (2) . هذا الطعام قسمّوه إلى مصداقين وطبقوه على مصداقين ، احدهما هو الطعام المصطلح ، والآخر هو طعام الروح ، حيث روح المرحوم الكليني في ذيل هذه الآية عن الإمام الصادق عليه السلام قال آية ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي : ( فلينظر إلى علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه ) (3) . فالطعام قسمان ، والله تعالى قال : ( سواء للسائلين ) ، أي كل من سأل طعام بدن في كل الظروف يستلم في مقابل السؤال . وطعام الروح كذلك ____________ (1) سورة فصلت ، الآية : 10 . (2) سورة عبس ، الآية : 24 . (3) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 50 . فكل من سأل في كل الظروف يحصل عليه ، فليس هناك اختلاف بين الطالبين في مسألة الجسم ، ولا هناك اختلاف بين الطالبين في مسألة الروح ، الأرواح متساوية في طلب العلوم والفضائل ، كذلك الأبدان متساوية في طلب الأرزاق الظاهرية ، في مثل هذه الحالات هناك محل للتساوي ولكن ليس هناك أي اختلاف بين الأرواح ، لا ان الأرواح بعضها مذكر وبعضها مؤنث والمذكر والمؤنث متساويان ـ كما مر سابقاً من كونها سالبة بانتفاء الموضوع ـ وهذه الآيات المذكورة التي كان قسم منها في سورة النحل المباركة وقسم آخر في سورة آل عمران ـ تتعلق بهذا الموضوع وأن ليس في الأمر أنوثة وذكورة . أحياناً يمكن ان يفهم ان القرآن يثمن الذكور أكثر ، ويرى الغلبة للذكور ، وعندما يمدح امرأة بمقام فضيلة يعدها في زمرة الرجال ، لا أن يفتح للمرأة حساباً منفصلاً ، والشاهد على هذا هو انه قال في شأن مريم عليهم السلام . ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (1) . ولم يقل : « وكانت من القانتات » . لقد وصفت مريم عليهم السلام بأنها تصدق بالكلمات الإلهية . وتؤمن بالكتب الإلهية ومن أهل القنوت والخضوع ، مع هذا فان الله سبحانه يعطي الرجال استقلالاً ويذكر مريم تحت غطاء اسم الرجال ويقول ( وكانت من القانتين ) لا ( من القانتات ) . جواب هذا التوهم هو ان لغة الحوار غير لغة الأدبيات الدراسية والكتابية . طبعاً القرآن الكريم يشخص في سورة الأحزاب ان المرأة والرجل متساويان في هذه الفضائل ويعدّ كثيراً من الفضائل الأخلاقية . ويعطي لكل ____________ (1) سورة التحريم ، الآية : 12 من هذين الصنفين استقلالاً ، ورغم انه قال في سورة آل عمران : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) (1) . ويبين الجميع بصورة مذكر ، لكنه يقول في سورة الإحزاب : ( ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ... ) . ثم يقول : ( والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ) (2) . ان الله تعالى يعبر بطريقة تفهمنا المعنى وتفهمنا انه يتكلم بثقافة الحوار وليس بالثقافة الكلاسيكية . ومع إنه صرح وقال : ( ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) . ولكنه حين يخبر ، لا يقول : ( أعدّ الله لهم ولهنّ ) بل يقول : ( أعدّ لهم ) ، أي لا تفكروا بانه كلما ورد كلام عن ( كم ) و( هم ) فالمقصود هو الرجل ( إلاّ بقرينة التقابل ) . وعليه فالشخص العارف بثقافة القرآن لا يخطر في ذهنه انه لماذا ورد في تلك الرواية ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) حتى يكون في فكر الجواب ما دام مستأنساً بالقرآن ويفهم ان الله يذكر بصراحة الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات بشكل مشروح في آية واحدة . ____________ (1) سورة آل عمران ، الآية : 17 . (2) سورة الأحزاب ، الآية : 35 . بناء على هذا ، فان قوله في شأن مريم عليها السلام : ( صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) ، لا لأجل انه ليس لدينا قانتات ، لأنه قال صريحاً في سورة الأحزاب : ( والقانتين والقانتات ) بل لأجل حفظ ثقافة الحوار ، وعلامته انه هكذا في جهة العكس ايضاً ، ففي جهة العكس أيضاً يعد المرأة الخاطئة في زمزة الرجال الخاطئين على أساس طريقة الحوار ويقول في سورة يوسف : ( واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ) (1) . لا ( من الخاطئات ) . وهذا لا لأنه ليس لدينا خاطئات ، بل لأجل انه يتكلم على أساس لغة الحوار . نتيجة الكلام : أولاً : بيّن القرآن الكريم أنه يخاطب أرواح الناس ، والأرواح ليست مذكرة ولا مؤنثة . وثانياً : ان موضع الذكورة والأنوثة هو بدن الإنسان ، والبدن ، ليس له علاقة بالفضائل والمعارف . وثالثاً : إذا لم تكن هناك قرينة خاصة في الكلام ولا تقتضي القوانين الأدبية ، فان آيات القرآن وكلام الله يجب حمله على أساس لغة الحوار . ورابعاً : أولئك الذين يدعون لمساواة المرأة والرجل عندما يريدون التكلم عن جماهير الناس ـ مجموع النساء والرجال ـ هل يقولون : ان الرجال والنساء ثاروا ، الرجال والنساء اعترضوا ، النساء والرجال صوتوا ؟ أم يقولون : الناس ثاروا ، الناس أدلوا بأصواتهم و .. ؟ هذه هي طريقة الحوار ____________ (1) سورة يوسف ، الآية : 29 . والعرف العالمي . بناء على هذا يجب عدم القول : ان القرآن يهتم بالذكور دون الإناث . حالات التصريح بالذكورة والأنوثة في القرآن : الحالات التي يذكر فيها القرآن الكريم بصراحة اسم المرأة والرجل ، علّتها انه يريد تخطئة الأفكار الجاهلية قبل الإسلام ، فلأن أولئك كانوا يفرقون بين المرأة والرجل وكانوا يرون العبادات والفضائل منحصرة بالرجال ، لذا جاء في القرآن الكريم بتحليل عقلي أن الذي يجب أن يكمل هي الروح والروح لا هي مذكر ولا مونث . لم تكن تعطى للمرأة قبل الإسلام أية قيمة ، وكانوا ينظرون دائماً إلى المرأة بعين الغضب ، كما انه ليس لها أية قيمة في الأماكن المتقدمة ، صناعياً ، إلا من أجل إرضاء شهوة الرجال ، وكلاهما احتقار لمقام المرأة الرفيع ، ولكن الله تعالى ذكر في القرآن انه يتولى تربية قلوب وأرواح الناس ، وأرواح وقلوب الناس لا هي مذكر ولا مؤنث ، لذا ينفي القرآن موضوع المرأة والرجل لكي لا يبقى محلاً لبيان التساوي أو الاختلاف بين هذين الاثنين ، لذا عندما يبحث في كل القرآن وكذلك في كل كلام العترة الطاهرة عليهم السلام لا يلاحظ حالة اعتبر فيها القرآن كمالاً من الكمالات المعنوية مشروطاً بالذكورة أو عدها ممنوعة عن الأنوثة . في البحوث القادمة ( فصل العرفان ) سوف يتضح انه في جميع الأسفار الأربعة كلا المرأة والرجل سالكان هذا الطريق ، وإذا كان هناك اختلاف فهو في الأعمال التنفيذية ، والأعمال التنفيذية هي وظيفة لا كمال . وفي العبادة أيضاً ليست هناك أية عبادة تفوت المرأة ، حتى في مسألة ( دعي الصلاة أيام اقرائك ) (1) قالوا : إذا توضأت وجلست في مصلاها نحو القبلة وذكرت فان لها ثواب الصلاة ، لذا ليس هناك أي كمال شرطه الذكورة ومانعه الأنوثة . طبعاً في المسائل الفقهية التي تتولى تقسيم العمل وتشرح المسائل التنفيذية ، هناك يذكرون أي الأعمال شرطها الذكورة. والأنوثة مانعة ، ولكن هذا يتعلق بالأعمال التنفيذية . أما في البحوث التفسيرية ، الكلامية ، الفلسفية والعرفانية ، فليس هناك أي بحث عن الذكورة أو الأنوثة ، بل هي تتعلق بإنسانية الإنسان . بناء على هذا ، إذا كان الكلام هو عن تهذيب الروح ، فالروح ليست مذكراً ولا مؤنثاً ، فالكلام هو عن عدم الذكورة والأنوثة ، ولذا لا يأتي بحث التساوي ويبين بسهولة وذلك الجزء من القرآن الذي تشعر كلماته بالذكورة عدة طائفة من الآيات : بناء على هذا تقسم آيات القرآن الكريم إلى عدة طوائف : الطائفة الأولى : هي الآيات التي لا تختص بصنف خاص مثل الآيات التي طرح فيها الناس أو الإنسان ، أو ذكرت بلفظ ( من ) . الطائفة الثانية : هي الآيات التي تتكلم على الرجل ، مثل الآيات التي استعمل فيها ضمير جمع المذكر السالم ، والآيات التي استفيد المذكر فيها من لفظ ( ناس ) ، وأمثال ذلك ، كأن يقول : ( يعلمكم ، يعلمهم ) . ولكن هذا هو على أساس لغة الحوار . فحين يريدون التكلم يقولون : ان الناس يقولون كذا ، الناس يتوقعون ، الناس في الساحة الناس يصوتون . هؤلاء الـ ( ناس ) ليسوا في مقابل النساء ، بل الناس يعني ( جماهير الناس ) . ____________ (1) فروع الكافي ، ج 3 ، ص 85 . فيجب عدم الاستنتاج إن القرآن له قاموس مذكري من كيفية التعبير الرائجة في قاموس الحوار والأدب . الطائفة الثالثة : هي الآيات التي استعمل فيها لفظ الرجل والمرأة ، وهي تصرح بانه في هذه الناحية ليس في الأمر امرأة ورجل او لا يختلفان ، مثل قوله تعالى : ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) (1) . إن القرآن نزل لأجل تهذيب الروح . حين العبادة والتقرب حكم ذلك العامل ، سواء كان بدنه امرأة ، أو رجلاً ، حكمه لا يختلف ، طبعاً حين العمل والتنفيذيات ، البدن دخيل ، ويقسم البدن بشكل امرأة ورجل ، ولكن الذي يؤمن في مقام المعرفة ، ويؤمن في مقام الإرادة واخلاص النية ، في محل المعرفة والعزيمة ، في محل الجزم والعزم ، ليس هو مذكراً ولا مؤنثاً . بناء على هذا اتضح ان هذه الأصناف ليس لها دور في المناهج التعليمية ومناهج التزكية في القرآن الكريم ، ولذا يقول تعالى بأن بدنكم هذا ( البشر الأولي ) من التراب . ( إني خالق بشراً من طين ) (2) . أحياناً يقول من التراب ، وأحياناً يقول : من ( حمأ مسنون ) ، وأحياناً من ( من صلصال ) ، وأحياناُ ( طين ) وأمثال ذلك ، وأحياناً يقول بأن امرأة ورجلاً دخيلان في ظهروكم ( البشر الثانوي ) ، بناء على هذا ، بماذا تفخرون ؟ وإذا أردتم ان تتفاخروا ، فان فخركم هو في اللاّفخر . عامل الفخر هي التقوى فقط التي ترافق عدم الفخر وعدم التفاخر ، هذه الآية المعروفة في ____________ (1) سورة النحل ، الآية : 97 . (2) سورة ص ، الآية : 71 . |
| | |
| | #3 (permalink) |
| Elking | سورة الحجرات تتولى قسم البدن وقسم الروح أيضاً ، ان قوله تعالى ( يا أيها الناس ) أي الناس الذين جاء القرآن لهدايتهم . ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) (1) . أي انكم إذا أردتم الفخر بالبدن فان الرجل خلق من امرأة ورجل والمرأة أيضاً ولدت من امرأة ورجل ، لا ان خلق بدن الرجل أفضل من خلق بدن المرأة ولا بالعكس . حيث انه إذا أراد شخص أو صنف أو عرق التفاخر على عرق آخر ، يقال له أيضاً ان كل فريق منكم هو من امرأة ورجل . من حيث مسألة العرق واللغة أيضاً قال : بانها عامل للتعارف والهوية الطبيعية ، فالإنسان لا يستطيع ان يحمل معه هوية بلده إلى أي مكان يذهب ، الوجوه . الهياكل ، اللغات واللهجات هي هوية طبيعية للإنسان وهي تعود إلى البدن أيضاً ، وإلا فالروح لا شرقية ولا غربية ، لا عرب ولا عجم و ... ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) (2) . والهوية ليست عامل فخر أيضاً ، فإذا أراد شخص ان يتفاخر لا محل لذلك ، لأن الجميع هم من ذكر وأنثى ، والشعوب والقبائل تتعلق بالبدن ، والأرواح لها حساب منفصل « الأرواح جنود مجندة » (3) . لها واد آخر ليس فيه كلام عن الهوية وأمثالها ، ثم إذا أراد شخص ان يرتفع يجب أن يرتفع بدون تفاخر ، وذلك : ( ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) (4) . ____________ (1) سورة الحجرات ، الآية : 13 . (2) المصدر السابق . (3) بحار الأنوار ، ج 61 ، ص 31 . (4) سورة الحجرات ، الآية : 13 . والآيات من هذا القبيل كثيرة سوف يشار إلى بعضها . ذكر شواهد قرآنية (1) : الملائكة لا مذكرة ولا مؤنثة : المقدمة الأولى : ذكر في القرآن الكريم كمالات للملائكة ، وذكرت هذه الكمالات أيضاً للناس العلماء والواعين ـ سواء كمالات علمية أو كمالات عملية . المقدمة الثانية : إذا ثبت ان الملائكة ليست جسماً ومنزهة عن الذكورة والأنوثة يتضح الوجه المشترك للملائكة والإنسان ، وانه روح الإنسان ، لا جسمه ولا مجموع الجسم والروح . بهاتين المقدمتين ، يتضح كما بين سابقاً ان في المسائل القيمية ليس هناك كلام عن الذكورة والأنوثة ، بل ان هذين الصنفين متساويان ، لذا فأساس القضية سالب بانتفاء الموضوع ، ولكن يرى الماديون أن هذه القضية سالبة بانتفاء المحمول . لأنهم يتصورون حقيقة الإنسان هي البدن ، والبدن أما مذكر أو مؤنث ثم يقولون : ان المرأة والرجل لا يختلفان في المسائل القيمية ، ولكن الإسلام يرى روح الإنسان تمام الحقيقة وفي نفس الوقت الذي يعد البدن ضرورياً ، يعرفّه كأداة ، لا بصفة تمام الذات ، ولا جزء الذات ، وهي يقول : إن المرأة والرجل لا يختلفان ، يعني في المسائل القيمية ليس هناك كلام عن الذكورة والأنوثة أساساً ، لا أنهما صنفان ولا يختلفان . لأجل تأييد هذه المسألة نرى ان القرآن الكريم عندما يذكر المسائل العلمية يعرف الملائكة والعلماء بنحو واحد ويقول : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) (1) . في هذه الآية يسند الشهادة بوحدانية الله إلى الله سبحانه أولاّ وبعد ان ينهي الجملة الأولى يذكر الملائكة والعلماء في محل واحد ، والملائكة لا مذكر ولا مؤنث ، وفي هذه المسائل العلمية يثمن الله سبحانه شهادة الملائكة بحيث ذكر شهادتهم بعد شهادته بوحدانيته ، ثم ذكر العلماء إلى جانب الملائكة ، من هنا يتضح ان المقصود من ( أولوا العلم ) هذه ، ليس الرجال العلماء ، كما انه لا يخص النساء العالمات . فالعالم هو الروح . والروح لا مذكر ولا مؤنث ، الروح هي التي تستطيع ان تكون كالملائكة شاهدة بوحدانية الله لا الجسم ولا مجموع الجسم والروح والوجه المشترك للملائكة والعلماء هو مقام تجرد الروح . وقال حول ( الكمال العملي ) أيضاً في تأييد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) . في هذه الآية إذا كان هناك توقف على صالح المؤمنين ، أو لم يكن فان معنى جامعاً يستفاد من هذا الآية ، وهو ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ولاية الله ، والصالحون من المؤمنين أولياؤه ، الملائكة أيضاً ظهيره ، وهذا عمل صالح يصدر من مؤمن صالح . في مثل هذه الحالات يذكر المؤمنين الصالحين قبل الملائكة أحياناً ، وأحياناً يذكر الملائكة قبل العلماء ، فحين الكلام عن علم التوحيد ذكرت الملائكة قبل العلماء ( والملائكة وأولوا العلم ) ولكن حين يوجد ، العمل الصالح بالإضافة إلى العلم ، أو تذكر مساندة الرسالة ، وبعبارة أخرى حين يوجد المقام العملي بالإضافة إلى المقام العلمي ، هناك تذكر ____________ (1) سورة آل عمران ، الآية : 18 . الملائكة بعد المؤمنين ، لأن هذه المجموعة من المؤمنين هي معلّمة الملائكة ، والمعلم له مقام أفضل ، لذا يذكر المتعلم بعد المعلم ، قال تعالى : ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) (1) . هنا أيضاً جهة جامعة بين الملائكة والناس الصالحين ، وتلك الجهة الجامعة بين المؤمنين الصالحين ( ومثالها الكامل هم العترة عليهم السلام ) والملائكة ، هي الروح المجردة ، لا الروح بالإضافة إلى الجسم ولا خصوص الجسم ، وهذان نموذجان أحدهما في مسألة ( الكمال العلمي ) والآخر ( الكمال العملي ) ، ان الملائكة والناس متساويان ، والمقصود من الناس أيضاً ، تلك الكمالات الروحية والمجردات العقلية . الملائكة منزهة عن الذكورة والأنوثة : يطرح القرآن الكريم أحياناً كلاماً عن أنوثة الملائكة ، ولكن هذا كلام بلغة الآخرين ، في سورة النساء يقول : ( ان يدعون من دونه إلا إناثاً وان يدعون إلا شيطاناً مريداً ) (2) . هذا ليس بمعنى ان الملائكة مؤنثة ، ان قوله تعالى : إنهم يعبدون إناثاً ، أي ان الوثنيين يتصورون الملائكة إناثاً ، أولاً . وثانياً ، انهم ـ يرون الملائكة واسطة في الفيض بشكل مستقل ، ثالثاً ، من أثر تصور الاستقلال قاموا بعبادة الملائكة ، رابعاً ، هذه هي دسيسة ووسوسة شيطان ، لذا ذكر حصرين إلى جانب بعضهما البعض وقال ( ان يدعون من دونه إلا إناثاً وان يدعون إلا شيطاناً مريداً ) ويدل هذان الحصران على انهما في طول بعضهما لا في العرض ؛ لأنه لا يمكن القبول بحصرين في عرض بعضهما البعض قال : إن ____________ (1) سورة التحريم ، الآية : 4 . (2) سورة النساء ، الآية : 117 . هؤلاء يعبدون ويدعون إناثاً فقط . بعد ذلك قال : إن هؤلاء يريدون ويدعون الشيطان فقط أي ان توهم أنوثة الملائكة مثل توهم شفاعة الملائكة ، وتوهم تأثير عبادة الملائكة ، كل هذه الثلاثة هي من شيطنة الشيطان ( وان يدعون إلا شيطاناً ) ، وهذا الشيطان هو مريد أيضاً ، أي هو متمرد ومارد ، ولأنه متمرد على الحق لذا تكون وساوسه باطلة أيضاً . فعندما ذكرت الملائكة بصفة إناث في القرآن الكريم ، أوضح إلى جانبه فوراً توهم وسوسة الشيطان ، وعندما ذكر الملائكة بصفة إناث في آية اُخرى أيضاً ، وذلك بصفة فرض حين قال : ( ألكم الذكر وله الأنثى ) (1) . ( أمّ اتّخذ ممّا يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ) (2) . إن هذا ليس معنى ان الملائكة إناث وأعطيتم الإناث إلى الله ، وتحبون الذكور لأنفسكم بل هو على أساس الفرض والتسليم . فحين قال ( ألكم الذكر وله الأنثى ) هذا لا يعني صحة انوثة الملائكة ، بل هو بصفة فرض وتقدير ؛ لأن القرآن الكريم أبطل صريحاً مسألة أنوثة الملائكة في آيات كثيرة : ( أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ) (3) . وفي آية أخرى : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً اشهدوا خلقهم ستكتب ____________ (1) سورة النجم ، الآية : 21 . (2) سورة الزخرف ، الآية : 16 . (3) سورة الصافات ، الآية : 150 . شهادتهم ويسألون ) (1) . فهو يشجب كلتا المسألتين ، أي ان الله تعالى يقول : انه لم يخلق الملائكة إناثاً ، كما ان أولئك لم يكونوا شاهدين خلق الملائكة ( أم خلقنا الملائكة إناثاً ) والذين ( جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ) هم يظنون ذلك . ثم يقول تعالى : إن جعلهم هذا هو ظن نشأ من أثر إنكار المعاد والربوبية . ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى ) (2) . بعض الاوصاف العلمية للملائكة : من بين الأوصاف العلمية للملائكة هي انه كما ان الملائكة شاهدون بوحدانية الله ، كذلك هم شاهدون برسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا نقرأ في القرآن الكريم : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون ) (3) . وهذه الصفة العالية ـ أي الشهادة برسالة خاتم الأنبياء ـ ثابتة للناس أيضاً . قال تعالى في نهاية سورة الرعد : ( ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) (4) . وجملة ( من عنده علم الكتاب ) طبقت على أمير المؤمنين عليه السلام . بناء على هذا ، فان الإنسان يشهد بالشيء يشهد به الملائكة . ____________ (1) سورة الزخرف ، الآية : 19 . (2) سورة النجم ، الآية : 27 . (3) سورة النساء ، الآية : 166 (4) سورة الرعد ، الآية : 43 . وجميع المكلفين ، نساء ورجالاً يشهدون بوحدانية الله تعالى ورسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الصلوات وآذان وإقامة الصلوات . هذه الشهادة بالرسالة ـ في مدخل الصلاة ـ باسم ( الآذان والإقامة ) وفي ( التشهد ) هي الطريق العلمي للملائكة . التولي والتبري : من الأوصاف العلمية اللملائكة : ( التولي والتبري ) . وقد مر في ذيل الآية 4 من سورة التحريم جزء من تولي الملائكة ، وفي هذا القسم نذكر بعضاً من ذلك . قال تعالى : ( ان الله وملائكته يصلون على النبي ) . ثم قال : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) (1) . الله سبحانه يصلي على النبي ، وكذلك الملائكة يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك المؤمنون نساءً ورجالاً مكلفون بالصلاة على النبي ، في الصلاة وغير الصلاة . بناء على هذا فان الصلاة والتسليم وهما عمل الملائكة ، موضع أمر الناس أيضاً . ان شهادة الملائكة بوحدانية الله والرسالة هو أمر علمي والصلاة أمر عملي ، فالناس يشاركون الملائكة في أمر علمي وأمر عملي أيضاً . وكما ان التبري إلى جانب التولي يعد من فرائضنا الدينية ، وكما ان الصلاة والصوم واجبان ، فإن تولي أولياء الله والتبري من أعداء الله واجبان على جميع المكلفين ، وكما أن الملائكة لهم تولٍ كذلك لهم تبري ، وفي ____________ (1) سورة الاحزاب ، الآية : 56 . مسألة تبري الملائكة قال القرآن الكريم : ( ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) (1) . وكلمة ( ناس ) في الآية لا تختص بالرجل ، لعنة الناس على الكافرين ، كذلك لعنة الملائكة على الكافرين . الملائكة سفراء الله : ان مجموع الأوصاف العلمية التي يعود بعضها إلى الشهادة بالوحدانية وبعضها إلى الشهادة بالرسالة ، والأوصاف العملية التي يعود بعضها إلى التولي وبعضها إلى التبري أصبحت عاملاً لأن يطرح الملائكة بصفة سفراء كرام الله ، قال تعالى : ( بأيدي سفرة * كرامٍ بررة ) (2) . أي أن كتاب دعوتي هذا وصلكم بواسطة سفرة كرام ، أي انه تعالى لم يرسل سفيراً صغيراً ، بل سفيراً مكرماً ، وقال : فيها كتب قيمة ، صحف مطهرة وقيمة ( بأيدي سفرة * كرام بررة ) ، أرسل بواسطة الملك المكرم ، رسالة كرامة ، ولذا أصبح الإنسان كريماً : ( ولقد كرمنا بني آدم ) (3) . كرامة الملائكة : التعبير في القرآن الكريم عن الملائكة هو انهم عباد مكرمون : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 161 . (2) سورة عبس ، الآيتين : 15 ـ 16 . (3) سورة الاسراء ، الآية : 70 . |
| | |
| | #4 (permalink) |
| Elking | بالقول وهم بأمره يعملون ) (1) نفس التعبير عن العباد الصالحين في سورة الفرقان ، موجودة بشأن الملائكة في هذا الجزء من القرآن ، في سورة الفرقان يذكر العباد الصالحين بصفة عباد الرحمن : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) (2) . كلمة ( عباد الرحمن ) هذه من أبرز الأوصاف التي اختارها الله للناس الشرفاء ، ونفس هذا اللقب الشريف اطلقه على الملائكة وقال : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ) . عباد الرحمن ليسوا رجالاً ولا إناثاً ، الملائكة هم عباد الرحمن كما ان سائر الناس الصالحين هم عباد الرحمن . لذا قال تعالى : ( ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى * وما لهم به من علم ان يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئاً ) (3) . إن كلام الذين يقولون بأنوثة الملائكة ليس علمياً ، بل قائم على الظن ، والمظنة لا تفيد في الرؤية الكونية والمسائل الاساسية ولا تحل محل العلم . يمكن ان يكون دليل الحجية في المسائل العملية والفرعية مظنة ، تحل المظنة مكان العلم ، وتعمل المظنة عمل اليقين ، ولكن لا تستطيع المظنة ان تفعل شيئاً في الرؤية الكونية والمسائل الأساسية . خلاصة البحث : أ ـ ان الله تعالى مدح الناس بالكرامة التي هي صفة الملائكة ودعاهم ____________ (1) سورة الأنبياء ، الآيتين : 26 ـ 27 . (2) سورة الفرقان ، الآية : 63 . (3) سورة النجم ، الآيتين : 27 ـ 28 . إلى تلك الكرامة ، وهذا دليل على ان ما بينه الله في القرآن بشأن الملائكة قرره أيضاً للناس الصالحين ـ سواء كانت كمالات علمية أو كمالات عملية ـ . ب ـ الملائكة لا هم مذكر ولا مؤنث ، فالذي يسلك طريق الملك لا هو مذكر ولا مؤنث ، والإنسان هو الذي يسير في طريق الملائكة والإنسان لا هو رجل ولا امراة ، لأن إنسانية الإنسان هي بروحه . والروح منزهة عن الذكورة ومبرئة من الأنوثة . ج ـ الذين كان لديهم توهم أنوثة الملائكة ، قال تعالى ان توهمهم ناشىء من عدم الإيمان ، لأنه لم يخلق الله الملائكة إناثاً ولم يكن أولئك شاهدين خلق الملائكة . د ـ سنلاحظ ان الله تعالى يقسم بخلق المرأة والرجل ، ويعطي للمخلوقات والخلق قيمة وفي هذه الناحية ليس هناك أي فرق بين المرأة والرجل . ذكر شواهد قرآنية (2) : خلق الإنسان وخلافته : يحلل الله تعالى مسألة الإنسان إلى أصل هي الروح ، وإلى فرع هو الجسم ويسند هذا الفرع إلى الطين والتراب والطبيعة والمادة . ( إني خالق بشراً من طين ) (1) . ويسند ذلك الأصل إليه ويقول : ( ونفخت فيه من روحي ) (2) . ____________ (1) سورة ص ، الآية : 71 . (2) سورة الحجر ، الآية : 29 . وفي سورة المؤمنون حين تصل مسألة الجنين إلى النهاية ويقطع الطفل المراحل الجنينية يقول تعالى : ( ثم أنشأناه خلقاً أخر ) (1) . أعطيناه الروح ، أي الروح تأتي عندما تكون مسألة المرأة والرجل قد انتهت ، أي بعد : ( فكسونا العظام لحماً ) (2) . عندما قام المصور بالتصوير وانتهت مسألة الذكورة والأنوثة ، قال : ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) ، وذلك الخلق الآخر ليس مكوناً ذكور وإناث . في سورة القيامة نقرأ آية تشير بشكل كامل إلى أن ارتباط الذكورة والأنوثة يعود إلى الطبيعة والمادة لا إلى الروح . قال تعالى : ( ألم يك نطفة من منّي يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوّى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى )(3) هذه الآية تشير إلى ان الوالدين لا يقومان إلا بالإمناء ، وما يسمى بالخلق هو من الله . في هذه الآية يقول تعالى بأن المذكر والمؤنث يعود إلى ( منّي يمنى ) لا إلى ( نفخت فيه من روحي ) كيفية الصورة مختلفة ، مسألة المذكر والمؤنث هي من العلقة وما بعد ذلك ، ومسألة الذكور والإناث مطروحة في نظام البدن . وبعد ان تنتهي مسألة الذكور والإناث ، يأتي عند ذلك دور الروح ، وسواء فسرت الروح على أساس ، ما يعين ان ( الأرواح جنود مجندة ) حيث يقول البعض ان الارواح هي قبل الأبدان ، أو على أساس ان ____________ (1) سورة المؤمنون ، الآية : 14 . (2) المصدر السابق . (3) سورة القيامة ، الآيات : 37 ـ 39 . الروح المجردة تحدث متزامنة مع كمال البدن ، أو على أساس ثالث . فعلى أيّ حال فإن الروح هي بعد حدوث الذكورة والأنوثة ، أي أنه بعد أن يعبر البدن مرحلة المذكر والمؤنث ، عند ذلك حديث الروح ، وهذا يجب تبيينه في الفصل الثاني والثالث بالاستعانة بالفصل الأول . ولأن الله تعالى يعتبر عمل الوالدين الإمناء وعمله الخلق ، لذا يثمن عمله ويقسم في جملة واحدة وسياق واحد بخلق المرأة والرجل ويعطي هذه الخلقة حرمة ويقول : ( والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى ) (1) . عندما يقسم بالليل ويقسم بالنهار في حالتيهما المتنوعتين ، يقسم أيضاً بخلق المرأة والرجل لأن كلمة ( ما ) في ( وما خلق الذكر والأنثى ) هي مصدرية ، الخلق هو موضع القسم ، وليس المخلوق ، والله لا يقسم بالمرأة والرجل ، بل يقسم بخلق المرأة والرجل وهو فعله ، ولو لم يكن الاثنان محترمين ، لما أقسم بخلقهما . الزوج والزوجة في القرآن : كلمة زوج وزوجة متقابلتان في التعابير العرفية ، ولكن القرآن الكريم كما يرى الرجل زوجاً يرى المرأة كذلك . يعد المرأة زوجاً ، فكلمة زوجة أو زوجات لم تستعمل في القرآن ، بل يستعمل أزواج . المرأة زوج كما ان الرجل زوج ويعبر بأن الله خلق آدم . وخلق زوجه من تلك النفس . ( وخلق منها زوجها ) (2) . ____________ (1) سورة الليل ، الآيات : 1 ـ 3 . (2) سورة النساء ، آية : 1 . ولأن الزوج هو الشيء الذي يصبح الواحد بواسطته اثنين . فحين يرد كلام عن المرأة والرجل ، يقول : ( فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) . أو يذكر نساء الجنة بصفة ( أزواج ) مطهرة . لا ( زوجات ) . وكما ان الرجل هو زوج المرأة ، فالمرأة أيضاً هي زوج الرجل ، أحياناً يرد الكلام عن الزوج والزوجة لرفع الالتباس والتكلم على أساس المعايير الأدبية والدراسية ، وإلا فتعبير القرآن الكريم بشأن المرأة والرجل متساوٍ . الإنسان ومقام الخلافة : المسالة الأخرى المطروحة في هذا البحث هي ان أرفع مقام يفرض للإنسان هو مقام الخلافة ، أي خلافة الله . إذا وصل في الخلافة إلى مقام رفيع ، فهناك إلى جانب ذلك مسألة الولاية والرسالة والنبوة ، وأمثالها . وإذا دخل إلى المراحل الوسطى أو النازلة فهو الإيمان وأمثاله ، ويمكن ان لا ترافقه الرسالة أو النبوة . والسؤال المطروح هو : هل ان الخلافة الإلهية هي للرجل والذكورة شرط والأنوثة مانع ؟ أم ان الخلافة ليست للرجل ، ولكن الرجال استطاعوا النجاح في تحصيل الخلافة ولم تنجح النساء ؟ أم أنها غير مشروطة بالذكورة ولا ممنوعة بالأنوثة ، والذين نجحوا في أن يصبحوا خليفة الله إنسانيتهم أدت إلى ذلك ذكورتهم ، الرجل لم يصبح خليفة ، بل الذي أصبح خليفة الله ، إنسان له بدن رجل . توضيح المسألة أنه جاء في القرآن الكريم كلام عن خلافة آدم : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) (1) . ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 30 . ثم قال الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) (1) . فأوضح الله تعالى لهم بأنه معلمهم وخليفته عن طريق تعليم الاسماء لآدم . وقد توضح في بحوث الخلافة ان آدم ، ليس ( قضية شخصية ) وشخصاً معيناً خليفة الله ، بل أن مقام الإنسانية هو خليفة الله . لذا جميع الأنبياء ، خاصة خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم هم خلفاء الله ، هذه ليست ( قضية في واقعة ) بل هي تشير إلى مقام الإنسانية ، فكيف يكون آدم خليفة الله ، مع انه ليس من الأنبياء أولي العزم ، ولا يكون الأنبياء الآخرون خاصة أولوا العزم وبالأخص خاتمهم ـ عليهم السلام ـ خليفة الله ؟ بل المقصود هو الإنسان الكامل ، فالفرض ليس شخص آدم ، بل شخصيته الإنسانية . وفي هذه المسألة ( ان خليفة الله هو مقام الانسانية لا الذكورة ) شهد آخر على أن سر كون مقام الإنسانية خليفة الله ، هو بسبب تعليم الاسماء . قال تعالى : ( وعلّم وآدم الاسماء كلها ) (2) . إن م حور التعليم والتعلم كما مر في البحوث السابقة هي روح الإنسان ، لا البدن ولا مجموع الروح والبدن . ان الذي يصبح عالماً هي الروح ، والروح ليست مذكراً ولا مؤنثاً . بناء على هذا فان العالم بالاسماء الإلهية هي الروح وليس الجسم ، والنتيجة : أن معلم الملائكمة هي روح الإنسان وليس البدن . وثمرة البحث هي ان خليفة الله هي روح الإنسان وليس ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 30 . (2) سورة البقرة ، الآية : 31 . الجسم . مقام الإنسانية ، مسجود الملائكة : من البحث السابق يستنتج ان مسجود الملائكة هي روح الإنسان وليس الجسم ، حيث أن الملائكة خاضعة لروح الإنسان و الشياطين أعداء لروح الإنسان . فالشيطان ليس شيئاً مع الرجال لأنه كان سيئاً مع آدم . وإنما هو مسيء للإنسانية وعدو للناس ( سواء كانوا رجالاً رجالاً أو نساءً ) ، لذا نجد الله تعالى يخاطب المجتمع البشري بأن عدوكم المبين هو الشيطان بناء على هذا ، فان مسجود الملائكة هو مقام الإنسانية ، ولأن معلم الملائكة هو مقام الإنسانية ، فالعالم بالاسماء هو مقام الإنسانية ، ومقام الإنسانية العالم بالاسماء ، منزه عن الذكورة والأنوثة ، فارفع مقام وهو مقام الخلافة ، هو لإنسانية الإنسان ولا بختص بالمرأة أو الرجل ، وما ورد في سورة الأعراف يؤيد هذه المسالة أحياناً ، جاء في أوائل سورة الأعراف : ( و لقد خالقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) (1) . أي انه ذكر خلاصة الناس وهو مقام الإنسانية بعنوان آدم وقال للملائكة ان يكونوا خاضعين لمقام المعلم ، ورغم ان البعض يظنون انه يمكن الاستفادة من هذه الآية وجود أناس كانوا قبل آدم ، ولكن آيات سورة آل عمران وأمثالها توضح جيداً أن هؤلاء الناس هم نسل آدم عليه السلام وآدم من ( تراب ) ، رغم انه طبقاً لبعض الروايات قد وجد بشر كثيرون جاؤوا قبل آدم ، ولكنهم رحلوا والنسل الفعلي للبشر ينتهي إلى آدم ، حيث قال تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ____________ (1) سورة الأعراف ، الآية : 11 |
| | |
| | #5 (permalink) |
| Elking | فيكون ) (1) . يقول تعالى بانه لماذا الغلوّ بشأن عيسى ، تعتبرونه ( ابن الله ) وتقولون بشأن الله ( ثالث ثلاثة ) ؟ قضية عيسى مثل قضية آدم . لو كان آدم ابنا لأبوين لما أصبحت قضية عيسى شبيهة بقضية آدم وحواء أبداً . الخلاصة انه يستنبط من آية سورة الأعراف أن خلاصة الإنسانية ظهرت بصورة آدم ، وهذه الخلاصة صارت خليفة الله ومسجود ومعلم الملائكة . إنسان وكلما زاد سهم من خلاصة الإنسانية حصل على حظ وافر من الخلافة ونصيب أكثر من التعليم وحصة أهم من المسجود ، لذا يكثر تعرض الشياطين له إلا أن ييأسوا . استفهام الملائكة واعتراض الشيطان : عندما أراد الله تعالى خلق الخليفة كان الملائكة والشيطان غافلين عن هذا الأمر ، لذا فكلاهما سأل الله تعالى ، ولكن لياقة الملائكة كانت تقتضي ان يطرحوا هذا السؤال بصفة استفهام ، وشيطنة الشيطان دفعنه إلى طرح هذا السؤال بصفة اعتراض ، كلاهما سأل ، ولكن أحدهما مستفهما والآخر متعنتاً ـ جاء في الجوامع الروائية في مسألة آداب التعلم . ( سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً ، فغن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم وان العالم المتعسف شبيه بالجاهل المتعنت ) (2) أي ان السؤال مفتاح العلم وكثير من الفضائل مترتبة على السؤال ، كما ورد أن العلم مخزون في كنز ومفتاحه السؤال وبأن جماعة كثيرة تؤجر بسؤالكم . فالذي يجيب يحصل على أجر وكذلك المستمع يحصل على أجر ، أي ان السامع يحصل على أجر ____________ (1) سورة آل عمران ، الآية : 59 . (2) نهج البلاغة ، تحقيق صبحي الصالح ، الحكمة 320 . والسائل أيضاً مأجور ، ولكن كما هو مشخص ان مراد مضمون الرواية هو انه يجب السؤال لأجل الفهم ، لا لأجل العناد ـ لذا حين قال تعالى : ( اني جاعل في الأرض خليفة ) (1) . قال الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) . وذكروا سرّ أولويتهم هكذا : ( ونحن نسبحّ بحمدك ونقدس لك ) . تلك الجهة رجحان خلافة الملائكة وهذه الجهة مرجوحية خلافه الإنسان ، إحداهما سلبية والأخرى إثباتية ، ولكن الملائكة بدأوا جميع هذه الاحتجاجات في سؤالهم الأول ، بالتسبيح وقالوا : ( سبحانك ) ، أي انك منزه عن كل نقص وعيب ، ومبرأ من كل نقد واعتراض ، ونحن الذين لا معلم ن وأنهم بعد الفهم سبحوا أيضاً وقالوا : ( سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا ) (2) . أما اعتراض الشيطان عند الأمر بالسجدة فكان هكذا : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) (3) . ولأن سؤال الشيطان كان ممزوجاً بالنقد والاعتراض ، لذا عبر القرآن الكريم عن شيطنة الشيطان ، بهذا التعبير : ( أبى واستكبر وكان من الكافرين ) . ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 30 . (2) سورة البقرة ، الآية : 32 . (3) سورة الأعراف ، الآية : 12 . أقسام الإباء والامتناع : الإباء على نوعين : 1 ـ إباء اشفاقي ، وهذا النوع من الإباء ليس مذموماً ، فالشخص العاجز عن تحمل تكليف يأبى ، ولكن إباءه ، هو إباء إشفاقي وليس له مذمة ، كما في قوله تعالى : ( إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها ) (1) . هنا ليس في الأمر ذم ، لأنهما لم تكونا قادرتين فأبين . 2 ـ إباء استبكاري : يكون الإباء استكبارياً عندما توجد قدرة على الفعل ، ولكن في نفس الوقت يتمرد ، لذا تعبير القرآن عن إباء الشيطان ممزوج بالاستكبار ( أبى واستكبر وكان من الكافرين ) . من هنا يتضح أن محور نقد الشيطان ومحور سؤال الملائكة هو في رؤيتهم البدن ، وإلا لا الملائكة أدركت روح الإنسان ، ولا الشيطان كان عالماً بروحه . الملائكة رأت الجنبة ، المادية والبدن ، لذا سألوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) . كما ان الشيطان رأى البدن وقال : ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) . آدم ، معلم ، الاسماء : وقد رفع الله ، في مقام الجواب ، الحاجب ، بحيث أطلع الملائكة وعلمهم ، وعلم الشيطان أيضاً مع هذا الفرق وهو أن تعليم الشيطان رفقه ____________ (1) سورة الأحزاب ، الآية : 72 . ( إني أعلم ما لا تعلموم ) (1) . ثم بين الأمر للملائكة هكذا وقال : ( وعلّم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ) (2) . قال للملائكة : إن خليفته ليس مصداق ( من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ، بل خلفيته العارف بحقائق العالم ومتعلم الاسماء ، والذي يسفك الدماء ، على أساس ( اثّاقلتم إلى الأرض ) (3) ، ويقبل بمسألة سفك دماء البدن أو يقبل بالفساد ، فالإنسان من ناحية ان لديه روحاً عالمة طبق ( وعلم آدم الاسماء ) هو خليفته ، حيث انه تعالى ذكر أن آدم ليس مسجوداً من ناحية أنه خلق من طين ، وخرج من تراب ، بل من ناحية أنه يمر من الأفلاك . عدم شأنية الملائكة للتعلم : عندما طرح الله مسألة تعليم الاسماء عرف الإنسان الكامل معلماً للملائكة ، وجعل الملائكة تلاميذ الإنسان ، وليس تلاميذ الله ، ولو كان للمائكة شأنية كسب العلم من الله بدون واسطة ، لم يكن عند الله تعالى إمساك وبخل عن قبولهم . فيتضح ان الملائكة ليس لهم شأن في أن يكونوا تلاميذ الله بلا واسطة بدليل انه : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) (4) . كما ليس لهم لياقة لأن يصبحوا عالمين وبحقائق جميع الاسماء ، بل هم ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 30 . (2) سورة البقرة ، الآية : 31 . (3) سورة التوبة ، الآية : 38 . (4) سورة الصافات ، الآية : 164 . يعرفون فقط في حد الأنباء عن حقائقها ، ولو كان غير هذا لقال الله تعالى لآدم : يا آدم علمهم باسماء هؤلاء . ولأنه لم يقل لآدم : كن معلمهم ، بل قال : ( أنبئهم بأسمائهم ) (1) . أي أنبئهم بالاسماء ، لا تعليم الأسماء يتضح أولاً : ان الملائكة هم دون ان يجعلوا تلاميذ الله بلا واسطة ، وثانياً : هم دون ان يكونوا تلاميذ ومتعلمين لجميع الاسماء ، بل يجب ان يكونوا مستمعين صرفاً ويسمعون النبأ فقط ، وليس كل المسائل . عندما تكلم الله تعالى عن هذه الساحة أفهم الملائكة ان خليفته هو معلم ومنبيء وعالم الاسماء ، وقال للشيطان إن خليفته ، ليس الذي خرج من التراب ، بل الشخص الذي له إحاطة ، بالتراب أيضاً ، وذلك . أولاً : معنى الخلافة هو ان يكون شخص خليفة ( المستخلف عنه ) . ثانياً : في معنى الخلافة أخذت غيبة المستخلف عنه ، لأن المستخلف عنه إذا كان له حضور ، فلا محل للخلافة . ثالثاً : معنى الخلافة هو ان يأتي شخص الخليفة من خلف المستخلف ، لا من الأمام واليمين واليسار لذا يجب ان يكون للمستلف عنه خلف ، أي يكون محدوداً حتى يكون هناك محل للخليفة . رابعاً : ولأن الله تعالى هوالمحيط الكل ، وليس له خلف وغايبة حتى يملأ شخص ذلك الخلف والغيبة ، في النتيجة يجب أن يكون خليفة الله محيطاً أيضاً ، حتى يستطيع تحمل لياقة خلافة الله ، وهو لا يمكن ان يكون إلا ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 33 . الإنسان الكامل ؛ لأنه مظهر تشبيه وتنزيه وجامع كل الاسماء الحسنى ، و ليس الملائكة الذين هم جامعون الاسماء التنزيهية فقط ، ولا الحيوانات وغير الحيوانات التي لديها الاسماء التشبيهية فقط . فالإنسان هو الذي يتوفر فيه الجلال والجمال والتشبية والتنزيه والإنسان يستطيع ان يدل على المحيط ، لذا فهو خليفة محيط . يتضح من هذا البيان ان من هو خليفة الله له مقام أرفع من نشأة البدن ، وذلك المقام لائق للخلافة ، وما فوق نشأة البدن . ليس محلاً للذكورة والأنوثة ، وعلى أساس هذا التحليل فان خليفة الله ليس امرأة ولا رجلاً ، بل هو إنسان ، مسجود الملائكة ليس أمرأة ولا رجلاً ، بل هي إنسانية الإنسان . عدم اختصاص الخلافة بآدم : الموضوع الآخر هو : أنه في مسألة الخلافة رغم ان الخطاب أحياناً لآدم وأحياناً الضمير بصورة مفرد أو مذكر وأمثال ذلك ، ولكن هذا ليس بمعنى ان الخلافة أو السجود لآدم وأمثال ذلك ، خاص بآدم عليه السلام أو مختص بالرجل ، والأدلة الدالة على هذا الموضوع عبارة عن : 1 ـ محور تعليم القرآن الكريم هو التعليم ، والتعليم عام أيضاً . 2 ـ في قضية آدم عليه السلام هذه يذكر مسألة عداوة الشيطان لآدم وحواء في إحدى السور بضمير مفرد وفي سورة أخرى بضمير تثنية ، ويتضح من هذا الأسلوب في البيان أن إتيان الضمير مفرداً في أحد المواضع ، هو لأجل الغشعار بأن الممثل هو شخص واحد ، لا من أجل أن العمل مع شخص واحد . وحين يقول الله تعالى لآدم : إن الشيطان عدوّ له ، فذلك من أجل ان آدم يتكلم بصفة ممثل للناس ، وهم يتكلمون مع آدم بصفته ممثلاً ، لا بمعنى أن الشيطان بصفة ممثل للناس ، وهم يتكلمون مع آدم بصفته ممثلاً ، لا بمعنى أن الشيطان هو عدو لآدم فقط ، وليس له شغل مع حواء ، ولهذا يذكر عداوة الشيطان في سورة أخرى بضمير تثنية ويقول : ( لكما عدو مبين ) (1) . هذا أولاً ، وثانياً ؛ عندما يكون الكلام عن الوسوسة وتأثر آدم ، يذكر تعالى هذا المعنى بضمير مفرد في محل من القرآن ، وبضمير تثنية في محل آخر فيقول : ( وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين ) (2) . يقول صدر المتألهين في تفسير هذه الآية : العدو ، أي الشيطان أقسم لآدم وحواء عليه السلام أنني اتصرف معكما بنصح ، ثم أغواهما ، والحال بالنسبة لنا أقسم ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) (3) ماذا سيفعل ؟ الله أعلم . الشيطان أقسم بشأن آدم وحواء انه سيتصرف معهما بطريق النصيحة ( وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين ) أما بشأن بني آدم فأقسم ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) . هناك قال تعالى : ( وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين ) . ثم قال تعالى : ( فدلاهما بغرور ) ، ثم ذكر هذه المسألة بضمير مفرد في آية وقال : ( يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) (4) . وفي آية أخرى بين بضمير تثنية ، وقال : ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ان تكونا ملكين أو تكونا من ____________ (1) سورة الأعراف ، الآية : 22 . (2) سورة الأعراف ، الآية : 21 . (3) سورة ص ، الآية : 82 . (4) سورة طه ، الآية : 120 . الخالدين ) (1) . هنا يفسر الشيطان كلام الله بالرأي ، فالذي يدّعي ( أنا خير منه ) إذا سمع كلام الله أيضاً يفسره بالرأي في ان الله نهاكما وقال : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) (2) . هو لأنه إذا اكلتما من هذه الشجرة تصبحان ملكين وتلدان إلى الأبد ، وأن الله نهاكما من أجل ان لا تكونا خالدين ، ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ، وهذا المعنى ذكر بضمير مفرد في محل آخر في القرآن بصفة خطاب لآدم ( يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) . الدلالة ، التدلية : ثم يقول تعالى في هذه المسألة : ( فدلاّهما بغرور ) (3) . التدلية ، أي التعليق ، هو إخلاء أسفل القدم بالشكل الذي يزل الإنسان . لذا عبر بـ ( فأزلّهما الشيطان ) (4) ، والإنسان يزل عندما يكون قد تعرض للتدلية ، ذهب بحجة الدلالة وقام بالتدلية . في جميع الحالات ذكر ضمير التثنية ، ولكن هنا ذكر ضمير المفرد وهذا يختم أيضاً ذلك الظن الباطل في أن يتخيل شخص ان الشيطان نفذ عن طريق المرأة ، بل خدعهما كليهما في آن واحد . و إذا كان هناك محل لمثل هذا التوهم ، وكان هناك ____________ (1) سورة الأعراف ، الآية : 20 . (2) سورة البقرة ، الآية : 35 . (3) سورة الأعراف ، الآية : 22 . (4) سورة البقرة ، الآية : 36 . |
| | |
| | #6 (permalink) |
| Elking | إمكان لقول الباطل يجب أن يقدم الإنسان هذا الباطل وهو أن الشيطان خدع المرأة عن طريق الرجل ، لا أنه خدع الرجل عن طريق المرأة ، رغم ان هذا هو أيضاً خيال باطل كما أن ذلك هو ظن باطل ، لأن الشيطان نفذ إليهما مباشرة ، ولم يخدع الرجل عن طريق المرأة ـ كما يعتقد البعض ولا خدع المرأة عن طريق الرجل ، قد يستفيد شخص ساذج التفكير مثل هذه الاستفادة من الآية ( هل أدلك على شجرة الخلد ) . بناء على هذا ، فإن مجيء الضمير مفرداً هو بسبب ان آدم كان بصفة مخاطب أوّلي وبصفة ممثل ، بصفة انه مستمع وترجمان وناطق ، ولذا في كل هذه المسألة ليست هناك أية خصوصية لآدم . ثالثاً : مسألة ( إهبطا ) (1) لكليهما و ( اهبطوا ) (2) للجميع ، هذا الموضوع له اشعار بأن ما تعود إليه الخلافة هي الإنسانية وما هو موضع عداوة الشيطان هي إنسانية الإنسان أيضاً ، عندما يأخذ الشيطان إنسانية الإنسان منه ، ويجعله في زمرة أوليائه عند ذلك تتبدل العدواة إلى ولاية ، حيث ان هناك بعض الناس تحت ولاية الشيطان ، ويذكرهم القرآن بصفة ( أولياء الشيطان ) (3) . ذكر شواهد قرآنية (3) : تمهيد خلافة الإنسان : يرى القرآن الكريم ان الكمالات العليمة والعملية تشير إلى مقام الإنسانية ، وذلك المقام منزه عن الذكورة والأنوثة ، فكثير من الرجال قد يسقطون ويصبحون مصداق : ____________ (1) سورة طه ، الآية : 123 . (2) سورة البقرة ، الآية : 36 . (3) سورة النساء ، الآية : 76 . ( اولئك كالأنعام بل هم أضل ) (1) . وكثير من النساء قد يصبحن مشمولات لقوله تعالى : ( يا أيها النفس المطمئنة * أرجعي إلى ربّك راضية مرضية ) (2) . ما يطرح في هذا البحث هو تفصيل للبحث السابق ، وهو لماذا يصل الإنسان إلى هذا المقام الرفيع ؟ في القرآن الكريم كثير من الفضائل العلمية مطروحة . وهي باسم إنسانية الإنسان ، وبعض الفضائل لا يصل إليها الملائكة أيضاً ، فإذا ثبت هذان الموضوعان ، عند ذلك سيتضح سر سجود الملائكة لساحة إنسانية الإنسان . المقامات العليمة للإنسان : الموضوع الأول ، وهو أن المقامات العلمية تتعلق بإنسانية الإنسان ، ولا تختص بالمرأة أو الرجل ، بعض الآيات التي يستدل بها في هذا المجال هي آية سورة الأعراف التي تقول : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) (3) . نشأة أخذ الميثاق وساحة أخذ الميثاق نزلت بصفة بني آدم ، ورغم أن الألفاظ التي استعملت في هذه الآية هي ألفاظ مذكر ، ولكن واضح ان عنوان الآية هو بنو آدم ، وكلمة بنين ليست في مقابل بنات بل هي عنوان أبناء آدم ،_______ (1) سورة الأعراف ، الآية : 179 . (2) سورة الفجر ، الآيتين : 27 ـ 28 . (3) سورة الأعراف ، الآية : 172 . لا أولاد آدم ، الآية يقول : إن جميع الناس قالوا : ( بلى ) في أخذ الميثاق أي شاهدوا عبوديتهم ، وادركوا ربوبية الله سبحانه وتعالى بالعلم الشهودي ، لا إنهم فهموا بالعلم الحصولي ، هذا المقام الرفيع يتعلق بإنسانية الإنسان بدون تدخل المذكر والمؤنث . هذا مثال . مثال آخر هو آية سورة الروم المعروفة بآية الفطرة : ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) (1) . في هذه الآية ذكر الناس ، لا المذكر والمؤنث ، إذ يقول تعالى : إن الناس خلقوا على الفطرة التوحيدية . هذه القضية لا تختص بالماضي أو الحاضر ، بل المستقبل أيضاً محكوم بهذا الحكم ، لأنه قال ( لا تبديل لخلق الله ) بعنوان « لاء نفي الجنس » . مثال ثالث هي آية سورة الشمس التي تقول : ( ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها ) (2) . الإنسان ملهم بالفجور والتقوى ، وفي حين ولادته لا يعرف شيئاً عن العلوم والحصولية . ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ) (3) . عندما يأتي الإنسان إلى الدنيا ليس لديه سهم عن العلوم الخارجية ، فيتعلمها بالدرس والبحث ، ولكنه يعرف ويستفيد من العلم الداخلي . العلوم المتعلقة بالتهذيب والتزكية ، وهي رأسمال أساسي ولا يوجد في آية مدرسة ، ____________ (1) سورة الروم ، الآية : 30 . (2) سورة الشمس ، الآيتين : 7 ـ 8 . (3) سورة النحل ، الآية : 78 . تلك العلوم خلقها الله مع الإنسان وأعطاها له بعنوان رأس مال أول ، وأما العلوم الحصولية فقد قال للإنسان أن يتعلمها عن طريق الكسب والعمل ، والسمع والبصر ، والفؤاد ، أما العلم الذي لا يوجد في مدرسة البشر فقد اعطاه للإنسان بعنوان رأسمال . في هذه الآية لم يرد كلام عن المذكر والمؤنث أيضاً ، بل كلام عن ( ونفس وما سواها ) ، لأن كل روح تخلق على الفطرة التوحيدية ، وهي ملهمة بالفجور والتقوى ، وقد التزمت في ساحة أخذ الميثاق ، لذا في سورة الحشر ، كل روح مكلفة بالمراقبة والمحاسبة ، وليس هناك كلام عن المرأة والرجل . ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) (1) . في هذه الآية ليس الكلام في أن يكون الرجل مراقباً ، أو يكون أهل محاسبة ، بل كل نفس يجب ان تكون رقبية ، أو حسيبة لنفسها ، وطريق التهذيب ( وهو طريق المراقبة وطريق المحاسبة ) يتعلق بالنفس الإنسانية . لا بالمذكر ولا بالمؤنث . الإنسان حامل الأمانة : الأمثلة العلمية التي ذكرت تشير إلى أن الإنسان يستطيع ان يقوم بالعمل الذي تعجز عنه الجبال والأرض والسماوات . والآية الأخيرة في سورة الأحزاب تفهم هذا المعنى . ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها ) (2) . وأما قوله : ( وحملها الإنسان ) الإنسان ، لا يختص بالمذكر ____________ (1) سورة الحشر ، الآية : 18 . (2) سورة الاحزاب ، الآية : 72 . والمؤنث ، ولأن الإنسان الذي تشرحه المعارف العليمة في تلك ، الآيات ، دخل إلى هذا المقام المنيع ، لذا في نهاية سورة الأحزاب وصل إلى هذا المقام الرسمي ، واستطاع بتلك الرساميل وحمل ثقل القرآن والولاية ، والمعرفة والدين وأمثالها ، ولم يكن ليحمل هذه الأمانة الثقيلة ولا يحملها ويكون مصداق ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) (1) ، بل يحمل بإرادته ، لذا لم يقل حمّل عليها ، ولم يحمل ، بل قال : ( وحملها الإنسان ) . وعليه فان هذا الإنسان الحامل لثقل الأمانة هو أوزن وأثقل من كل كائن مادي ، وفي هذا القسم ليس هناك كلام عن المذكر والمؤنث أيضاً . ثم نصل إلى مرحلة أعلى من هذه ، وهي أن الإنسان إذ سار حاملاً رأسمال أخذ الميثاق حسب آية سورة الأعراف وحاملاً رأسمال الفطرة ، حسب آية سورة الروم ، ولديه رأسمال الإلهام حسب سورة والشمس ، وبإداء وظيفة المحاسبة والمراقبة الرسمية حسب سورة الحشر ، عند ذلك سوف يحصل على قدرة ترفع هذا الثقل ويعبر السماوات والأرض ، وإذا رفع هذا الإنسان الحمل الالهي عند ذلك لا يكون في الارض ، ولا في السماء. وحين يخرج من حدود هذا النظام الدنيوي ، عند ذلك لا يكون الكلام على الرجل ولا المرأة ، الكلام فقط عن إنسانية الإنسان ، ويتضح من قوله : إن الجبال عاجزة عن حمل هذه الأمانة ، أو قوله إن السماوات عاجزة عن حملها ، وأن الإنسان هو الذي يحملها ، ان الإنسان يعبر هذا السقف المقرنس ، ويصل إلى درجة ليست في متناول السماء والأرض أيضاً . تكلم الله مع الإنسان : الآن يجب رؤية هل ان الإنسان يستطيع ان يصل إلى درجة ليست في ____________ (1) سورة الجمعة ، الآية : 5 . |
| | |
| | #7 (permalink) |
| Elking | متناول الملائكة ؟ في الجواب يجب القول : إذا استعمل هذه الرساميل وأوصل هذا الحمل إلى المقصد بصورة صحيحة ، يصل إلى درجة ليست في متناول الملائكة أيضاً . أخيراً أحد الحواميم السبعة لهذه الآية الكريمة موجود وهو : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ومن وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ) (1) . أي أن الإنسان يستطيع بأحد هذه الطرق الثلاثة ان يكون مستمعاً لله ويدرك الكلام الإلهي ـ بصورة قضية منفصلة منعة الخلو ، وهي قابلة للجمع أيضاً ـ . الأول : عن طريق الوحي بدون واسطة ، وفي ذلك المقام لا توجد فاصلة وواسطة بين الإنسان الكامل والله تعالى ، لا الفلك تفصل ولا الملك واسطة ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ) . الثاني : ( أو من وراء حجاب ) شبيه بما جاء في شأن موسى الكليم عليه السلام الذي سمع من وراء حجاب الشجر ( إني أنا الله ) (2) . الثالث : ( أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ) ، بناء على هذا ، فإن الإنسان يصل إلى درجة يتلقى فيها الوحي من الله بدون واسطة ، وفي ذلك القسم لا تصل الملائكة . جاء بشأن معراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان بعض آيات القرآن الكريم تلقاها بصورة مشافهة ، وقيل : إن الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة هما من هذا القبيل ، أي آية ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ____________ (1) سورة الشورى ، الآية : 51 . (2) سورة القصص ، الآية : 30 . بالله )(1) وآية ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) (2) . حيث تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هاتين الآيتين من الله تعالى شفاهاً بلا واسطة ، وبعض غرر آيات القرآن الكريم هي من هذا القبيل ، لم يكن الملك دخيلاً في تلقيها ، إذ أن جبرائيل عليه السلام قال في مسألة المعراج طبق رواية ( لو دنوت أنملة لا حترقت ) (3) . بناء على هذا فإن الإنسان الكامل يدخل في مرحلة لا يستطيع الملك ان يحلق فيها . مثال آخر ورد في هذا الصدد جمل أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل حيث قال : بأن بعض اسرارنا الباطنية لا يفهمها الملائكة . ورغم ان الله تعالى أمر الملائكة بتسجيل أعمالنا ، ولكن تلك الخاطرات الدقيقة . رقيقة إلى درجة ان الملائكة لا يستطيعون خرق حجابها النوري وفهم ذلك السر المخفي ( والشاهد لما خفي عنهم وبرحمتك أخفيته وبفضلك سترته ) (4) . الله تعالى بتولى مباشرة بعض أعمالنا . فهو يقول : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) (5) . ويقول تعالى : ( والله يكتب ما يبيتون ) (6) . وذلك أحياناً من أجل أن لا يعطيه بيد الملائكة ، حتى يبقى سراً بين العبد والمولى ، ذلك الحاجب يكون قائماً لكي لا يراق ماء وجه العبد أمام ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 285 . (2) سورة البقرة ، الآية : 286 . (3) بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 382 . (4) دعاء كميل . (5) سورة يس ، الآية : 12 . (6) سورة النساء ، الآية : 81 . أي ملك ، والله تعالى هو حسيب ذلك القسم من السيئات . بناء على هذا فلكل واحد من الملائكة حدّ معين : ( وما منّا إلا ما مقام معلوم ) (1) . وان ما يذكر في بعض الأسئلة انه إذا كانت الملائكة مأمورة بتسجيل عقائدنا ونياتنا وخطراتنا ، وأقوالنا وأعمالنا ، فهم إذن يتمتعون بنشأة علمية واسعة وعميقة . هذه المسألة صحيحة ، ولكن في بحوث الرؤية الكوية يجب عدم جعل الأفراد العالين معياراً ، الكلام ليس في الاشخاص الكلام في مقام الإنسانية ، فعندما يدور الأمر بين مقام الإنسانية ومقام الملائكة عند ذلك يتضح أن مقام الإنسانية يمكن ان يرقى إلى درجة بحيث تكون الملائكة غير مطلعة على بعض زوايا عمله ، لذا يمدح الله تعالى الملائكة بكثير من الأوصاف ويقول : إنهم رقباء ، عتيدون ، معيدون . كرماء ، حفيظون ، لا يفوتهم شيء ، لا يضيفون شيئاً ولا يضيعون شيئاَ . منزهون عن الإفراط ، وبمرؤون من التفريط ، ولكن في نفس الوقت لا يسمح بأن تفهم الملائكة بعض الأشياء أيضاً . ملائكة الله وتعليم الاسماء : بناء على هذا يتضح من هذه البحوث إشكال الأمر في مقام تعليم الاسماء ، إشكال الأمر ليس في أن الملائكة ليسوا عالمين ، متعلمين ومعلمين ؛ لأن جميع هذه عندهم . بل إشكال الأمر هو ان بعض الحقائق رفيعة إلى درجة ان الملائكة لا يستطيون تعلمها أولاً ويجب ان يسمعوا خبرها فقط ويفهموها بشكل خبري وثانياً : لا يستطيعون تلقي هذا الخبر من الله بدون واسطة . بل يجب أن يتلقون بواسطة ، لذا في مسالة خلافة آدم عليه السلام طرح الكلام على علم الملائكة وتعلمهم وتعليم الله لهم ، ولذا ____________ (1) سورة الصافات ، الآية : 164 . قالوا : ( لا علم لنا إلاّ ما علمّتنا ) (1) . فعلم الملائكة وتعلم الملائكة والتعليم الإلهي ثابت . وهذا طبعاً ليس بمعنى أن تكون هذه ( قضية موجبة حقيقية كلية ) ، أي ان تفهم الملائكة جميع العلوم ، بل الملائكة قالوا : ( لا علم لنا إلاّ ما علمّتنا ) ، لذا لم يقل الله تعالى إنه سيعلمهم كل ما علمّه لآدم ، وهذا طبعاً ليس بمعنى نقص وبخل في المبدأ الفاعلي ( معاذ الله ) بل ان الملائكة لم يكن لديهم قابلية القبول . ولو كان الملائكة أهلاً للوصول إلى حقائق الاسماء ، كما وصل آدم لكان الله تعالى علّمهم أيضاً ، ولو كان الملائكة يستطيعون تلقي خبر حقائق الاسماء هذا من الله سبحانه بلا واسطة ، لقال الله تعالى : « أنبئكم أو انبئكم » . ولم يقل لآدم عليه السلام ( يا آدم أنبئهم باسمائهم ) (2) . بناء على هذا يتضح من ان الكلام بشان آدم عن التعليم ، حيث قال : ( وعلّم آدم الاسماء كلها ) (3) وبشأن الملائكة ليس الكلام عن التعليم ، بل عن الأنباء أن الإنسان الكامل يصبح عالماً بتلك الحقائق الرفيعة ، أولاً ، وثانياً ، يتلقى من الله تعالى بدون واسطة ، ولكن الملائكة يتلقون تلك الحقائق بشكل خبر وذلك أيضاً بواسطة . بناء على هذا ، يتضح لماذا تكون الملائكة خاضعة وساجدة في ساحة الإنسان الكامل لانها وهي ( مدبرات العالم ) بإذن الله تتواضع في ساحة معلمها الحقيقي . الإنسان ووسوسة الشيطان : السؤال الآخر الذي يطرح هو ان الإنسان الكامل إذا كان قد تعلم جميع الاسماء ، فلماذا لم يكن في أمان من الخدعة والوسوسة ، ولماذا لم يتعلم ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 32 . (2) سورة البقرة ، الآية : 33 . (3) سورة البقرة ، الآية : 31 . هذه المسألة ، وظل لا يعرف شيطنة الشيطان ؟ جواب هذا السؤال هو : أن هذا لازم أعم ، أي أن الشخص إذا لم يكن في أمان من وسوسة وأثرت فيه الخدعة ، فهذا الأمر هو أحياناً من أثر الجهل بالمسألة ، وأحياناً من أثر نسيان المسألة ، وما يبين في قضية آدم عليه السلام هو بعنوان ( فنسي عهده ) . ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد لم عزماً ) (1) . هو نسيان ذلك العهد ، وإلا فان الله تعالى قال بصراحة : ( فقلنا يا آدم إنّ هذا عدّو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) (2) . وسوسة الشيطان هي جزء المرحلة النازلة لتلك الاسماء ويجب عدم البحث عن انه هل هذا داخل بألف ولام في الجمع المحلّى أم لا ؟ لأنه نزلت في هذا المجال أخرى منفصلة إذا قال تعالى : ( يا آدم إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) . ولكن يأتي كلام عن النسيان . غاية الأمر ان البحث بشأن هل أن النشأة هي نشأة تكليف أم لا ؟ وهل الأمر والنهي الواقع في الآية المذكورة مولوي أم لا ؟ وإذا كان مولوياً ، هل هو تحريمي ، أم تنزيهي ؟ وإذا كان مولوياً ، فهل هو وجوب ، أم استحباب ؟ وإذا لم يكن مولوياً فان كونه ارشادياً له حكم رأساً كما انه إذا كان تمثيلاً ، حكمه أنه منفصل راساً ، فهو بحث مستقل ، لكن هذا المعنى وهو ان آدم عليه السلام ابتلي بالوسوسة ، لا من أجل أنه ك ان لا يعرف بخرط الوسوسة ، أو لم يكن لديه علم بشيطنة الشيطان ، أو كان جاهلاً بعداوة الشيطان ، بل الكلام هو عن النسيان . (1) سورة طه ، الآية : 115 . (2) سورة طه ، الآية : 117 . |
| | |
| | #8 (permalink) |
| Elking | الفيض الإلهي والمراتب الإنسانية : السؤال الآخر هو هل ان تعليم الاسماء خاص بالناس الأسوة والنموذجيين ، أم يتعلق بأي إنسان ؟ ولأن ( أسماء ) جمع محلى بألف ولام يتضمن جميع الحقائق والمعارف ، إذا استطاع شخص الوقوف صحيحاً على الميثاق الذي عقده ، ويكون ملتزماً على أساس الإلهام الذي تلقاه ، ويكون ثابتاً على اساس الفطرة التي فطر عليها ، و يكون معصوماً تماماً على أثر المارقبة والمحاسبة ، مثل هذا الشخص يصل إلى جميع الاسماء ، وإذا لم يحصل على أي من الأمور المذكورة في أية مرحلة يكون مصداق الآية الكريمة التي تقول : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) (1) . مثل هذا الشخص لا يحقق أية استفادة ، وإذا كان في حد حياة حيوانية ، يحصل على فائدة حيوانية ، عند ذلك يكون بين هؤلاء الذين يحملون فائدة حيوانية وبين أولئك الذين هم في أوج الإنسانية مراتب وكل منهم يتعلم بدوره إسماً من الأسماء الحسنى ، حتى تصل إلى العترة الطاهرة عليهم السلام الذين يعلمون الاسماء ، وهم مظهر تام للأسماء الحسنى من باب ( إتحاد العالم والمعلوم ) ، لذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام في ذيل الآية الكريمة : ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ) (2) . قوله : ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 74 . (2) سورة الأعراف ، الآية : 180 . « نحن والله الاسماء الحسنى » (1) . اتحاد العاقل والمعقول أو العالم والعلم : ورد في الكتب الفلسفية ان العالم والمعلوم أو العاقل والمعقول متحدان ، ومحور الوحدة أو الاتحاد ليس خارج حدود الروح . بيان مسألة هو ان هناك ستة أمور مطروحة في مسألة ( إتحاد العاقل والمعقول ) ، أربعة منها خارج محور البحث ، وأمران فقط يقعان في محوره فمثلاً إذا أدرك شخص حيقة شيء خارج ، يسمى الشجر ، وكان متخصصاً بالاشجار ، وعرف كيف تنمو الشجرة ، وأين تزرع ، وما هي آفتها ، وكيف تعالج ، وكيف تثمر ، ولماذا لا تثمر ، مثل هذا الشخص يصبح مهندساً زراعياً . ان الشجرة التي في الخارج لها ماهية باسم ( الجنس النامي ) ولها وجود غرست بذلك الوجود في بستان وأصبحت ( الشجرة موجودة ) . الماهية الخارجية ، والوجود الخارجي للشجر ليس داخلاً رأساً في مسألة اتحاد العاقل والمعقول . من ناحية أخرى ، الإنسان المدرك والعالم بهذه الشجرة الخارجية ، له ماهية باسم حيوان ناطق ، وله وجود وهو وجود إنساني ، هنا أيضاً ماهية الإنسان غير داخلة في مسألة اتحاد العاقل والمعقول ، لكن وجوده داخل في البحث . من ناحية أخرى والآخر وجود تلك الماهية لدى العالم ، هذا الوجود ، هو العلم الذي يعتبر المهندس بواسطته عالماً بماهية الشجرة ، هنا أيضاً تلك الماهية أو المفهوم الذي في الذهن هو خارج رأساً من محل البحث ، فبين هذه الأمور الستة ( وجود الإنسان وماهية ، وجود الخارجي وماهيتها ، وجود الشجرة الذهني ____________ (1) أصول الكافي ، ج 1 ص 144 ، الباب 23 . وماهية الموجود في الذهن ) تخرج ماهية الشجرة والوجود الخارجي للشجرة من البحث رأساً ، وماهية الإنسان لم تكن داخلة في البحث أيضاً ، وماهية أو مفهوم الشجرة الذهني أيضاً خارج من البحث . بناء على ذلك يظل من تلك الأمور الستة وجود الإنسان مع العلم وهذا العلم هو غير الوجود الذهني لذا فالبحث هو عن اتحاد العالم لا اتحاد العالم مع الوجود الذهني . الفرق بين الوجود الذهني والعلم هو بعهدة الحكمة المتعالية ، لذا يطرح بحث الوجود الذهني منفصلاً عن بحث العلم في الكتب الفلسفية ، إذا نضج الإنسان يرتبط مع العلم لامع المعلوم . وهذا العلم علم بذاته ، معلوم بذاته ، عالم بذاته ، وعندما ترتبط النفس بالعلم تصبح عالمة ، وهذا الارتباط في أوائل الأمر هو بنحو الحال ، وبعد ان يصبح ملكة ويصبح هذا الشخص صاحب رأي ومجتهداً يصبح العالم عين العلم والعلم عين العالم . مظاهر الاسماء الحسنى : عند ذلك تبين المسالة التي ذكرها الإمام السادس ( نحن والله الاسماء الحسنى ) هكذا : انهم علم وقدرة وحكمة ومظاهر عينية للاسماء الحسنى . لأن العلم هو وجود خارجي والوجود الخارجي غير الوجود الذهني ، لذا كل شخص يسير في هذا الطريق يحمل سهماً من الاسماء الإلهية بمقدارة . والملائكة لهم أيضاً دردات متنوعة ، والملائكة الأرضيين هم غير الملائكة السماويين ، والملائكة السماويين أيضاً ليس لهم مراتب متساوية ، ويمكن ان يصل الإنسان إلى محل يكون الملائكة في خدمته. إن الملائكة تستقبل الإنسان عند الموت وتستقبله عند الدخول إلى الجنة البرزخية أو الجنة الكبرى ويقولون : ( سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) (1) . هو من هذا القبيل . الملائكة ليسوا كلهم في مستوى ( حملة العرش ) ، بل بعض الملائكة هم خدّام الإنسان ويكون الإنسان سبباً في ظهور ذلك النوع من الملائكة ، وان هذا يتعلق قطعاً بكيفية حمل الأمانة بواسطة الإنسان وإلى أية درجة يستطيع معرفة هذا الحمل وإيصاله إلى الهدف . درجات الإنسان من لغة القرآن : من هذا الإنسان ؟ نقرأ في القرآن أن الإنسان أرقى من مجموعة النظام الدنيوي ويستطيع ان يعمل ما لا تستطيعه السماوات والأرض والجبال ، أحياناً نقرأ في القرآن ان الجبل أفضل وأرقى من الإنسان ، والسماء والأرض أفضل منه ، إذ فهم الإنسان ثقل الأمانة وحملها ، يعبر هذا النظام الدنيوي وإذا ظل بمستوى الظلوم الجهول يصبح مصداق : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) (2) . الله تعالى يقول للإنسان الذي يفكر في حدود البدن فقط : ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ) (3) . وفي آية أخرى يقول : ( إنك لم تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ) (4) . القرآن يقول : إن الإنسان عبر ويعبر السماوات . فإذا لم يستطع ان يوصل هذا الحمل إلى المقصد ، يقول له القرآن : ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ) ويقول : ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسوّاها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ) (1) الإنسان يقع بين هذا النفي والإثبات ، أما يصبح أحقر من الحجر أو يذهب أبعد من جميع السماوات . آلية البدن في جميع النشآت : يلزم خلال هذا البحث الانتباه إلى أنه رغم ان روح الإنسان تشكل حقيقته . ولكن الإنسان يرافق البدن في كل نشأة ، ففي الدنيا له بدن ، وفي البرزخ ايضاً . وفي القيامة أيضاً ، الكلام ليس في ان الإنسان يكون بلا بدن في نشأة من النشآت ، المقصود هو أن البدن ليس هو حقيقة الإنسان ولا هو جزء من حقيقته . بل هو أداة صرفة ، الآن حيث لدينا في الدنيا جسم وروح ، تقوم الروح بجميع الأعمال ، وتتحمل الروح جميع الآلام والمتاعب أو اللذة والنشاط ، عندما تتعرض اليد إلى ضربة فإن القوة اللامسة هي التي تشعر لا جرم اليد ، كما ان قوة اللمس هذه وهي جزء من شؤون الورح إذا خدّرت وقطعت اليد قطعة قطعة لا تشعر بالألم ، الروح هي التي تشعر ، عندما نأكل ، رغم ان الفك يتحرك والأسنان تلوك ولكن الذائقة تلتذ والذائقة هي من شؤون الروح ، عندما نشرب ماء رغم ان التجرع هو عمل فضاء الفم ولكن الارتواء والشعور برفع العطش يتعلق بالروح . في الألم هكذا وفي النشاط كذلك . فالآن حيث لدينا ابدان ، فان جميع الأعمال تتولاها الأرواح والأبدان أدوات ليست أكثر ، تنقلها الأرواح من مكان إلى مكان (2) . في جهنم المسألة على هذا المنوال أيضاً . الله تعالى يقول : ____________ (1) سورة النازعات ، الآيات : 27 ـ 29 . (2) ديوان حكيم الأسرار ، الحاج ملا هادي السبزواري . ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ) (1) . لأن قوة اللمس عموماً منتشرة في جميع جرم البدن خاصة في الجلد ، وقوة اللمس هذه هي بعهدة هذا الجلد ، لذا تتبدل جلودهم لكي يشعروا بالألم أكثر ، لا أن الجلد يتألم ، بل هم يتألمون بجلد جديد ( ليذوقوا العذاب ) بناء على هذا فانه كما أن للإنسان بدناص في الدنيا كذلك له بدن في النشأة الأخرى ولكن كما أن البدن هو فرع في الدينا ، ففي النشأة الأخرى أيضاً يكون البدن فرعاً . النساء الأسوة في القرآن (1) . اهتمام القرآن بشخصية المرأة : القسم الآخر للبحث هو ان نوع الكمالات التي يذكرها القرآن الكريم للمرأة هي من أجل انه كلما شعر القرآن بخطر يؤكد ذلك أكثر فأكثر ، فمثلاً حين ظهور القرآن حيث كان التوحيد في خطر وكان الشرك منتشراً ، نزلت آيات كثيرة من أجل تثبيت التوحيد والقضاء على الشرك ، ولهذا لما كانت حرمة المرأة غير محفوظة أيام نزول القرآن ، لذا أكد على مسألة حرمة المرأة أكثر من حد التوقع ، وذكر لها سهماً في جميع الشؤون وصرح بالتساوي وأمثال ذلك . وقد ذكر القرآن قصصاً ، وبعد ان يشخص معيار القيمة في الشؤون المتنوعة ، يلاحظ نوع تلك المسائل القيمية ويذكرها ضمن قصص المرأة وضمن قصص الرجل أيضاً . ____________ (1) سورة النساء ، الآية : 56 . |
| | |
| | #9 (permalink) |
| Elking | القوى الثلاث للنفس : في الإنسان تكمن ثلاث قوى ، قوة جاذبة ، وقوة دافعة ، وقوة تفكر ، والقرآن الكريم يصور في ثلاثة أقسام جنود العقل والجهل الذين يعودون كلهم إلى الروح وعددهم مائة وخمسون عدداً ( ذكر العدد بعنوان مثال وتمثيل لا تعيين ) خمسة وسبعون عدداً جنود العقل وخمسة وسبعون عدداً جنود الجهل . بعضهم يتعلق بالعلم والفكر وبعض آخر يتعلق بالجاذبة التي يعبر عنها بالشهوة وبعض آخر يتعلق بالدافعة باسم الغضب . ان ما نراه في انفسنا ونتذكره عن الآخرين هو ان جميع أعمال الإنسان تتلخص في هذه الاقسام الثلاثة وإذا كانت الكتب الأخلاقية تؤكد على هذه المعايير الثلاثة فهو من أجل أن الأخلاق هي لتربية النفس وقوى النفس وان ما كشف حتى الآن هي هذه القوى الثلاث وكل عمل يتعلق بقوته الخاصة . الإنسان له فكر وقوة تفكر ، له جاذبة وقوة تجذب ، له دافعة وقوة تدفع . كل أعمال الإنسان تعود إلى هذه الشؤون الثلاثة و ( العدالة الكبرى ) هي تعديل هذه القوى الثلاثة . بعد أن يذكر القرآن الكريم كل هذه الفضائل يأتي لكل واحدة منها بمثال ، سواء في قسم العلم ، أو في قسم الشهوة أو في قسم الغضب . الأسوات العلمية : أما في الأقسام العلمية : فإذا كان الكلام عن تعليم الاسماء فانه يحول ذلك إلى الإنسانية ، حين يطرح قضية آدم عليه السلام ويقول : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) (1) . ورد في تبيين وتفسير ( كلمات ) أن المقصود هي أنوار العترة ____________ (1) سورة البقرة ، الآية : 37 . الطاهرة ، وهي مقامات علمية تلقاها آدم عليه السلام . وحصل سبب نجاته ، وكما ان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يضيء هناك ، كذلك فاطمة الزهراء عليها السلام تضيء هناك ، وأن فاطمة الزهراء عليهم السلام أصبحت معروفة ومشهورة لا من أجل ان المرأة تلخصت في فاطمة الزهراء فقط ، بل بسبب أنها أرقى من الأخريات . كما أن المعصومين الآخرين ليسوا معروفين مثل أمير المؤمنين وفي العرف حين يريدون ذكر مثل يضربون مثلاً بالإمام علي ، فكما ان أمير المؤمنين عليه السلام أصبح معروفاً وقدوة بين المعصومين ، كذلك اشتهرت فاطمة الزهراء عليها السلام بين النساء ، وإلا فهناك نساء كثيرات كن يتمتعن بالعصمة وبالكمال المتعارف وفوق المتعارف ، ولكن علة ان فاطمة الزهراء عرفت بين النساء هي نفس العلة التي أدت إلى معروفية الإمام علي بين الأئمة عليهم السلام خلاصة الكلام ، ان المراد من لفظ كلمات في الآية الشريفة ( فتلقى آدم من ربّه كلمات ) هي الاسماء الإلهية ، وأبرز مصداق الاسماء الإلهية هم العترة الطاهرة حيث تسطع من بينهم فاطمة الزهراء عليها السلام . وفي مقام بيان قوة الجذب وتعريف ملكة العفاف يأتي بتمثيل عن الرجل وعن المرأة أيضاً . والآن يجب ان نرى هل أن الرجل قال في هذه الساحة كلاماً أكثر عفة ، أم أن المرأة ذكرت بياناً أكثر عفة في هذا المقام ؟ يوسف ومريم مظهران للعفة : قال تعالى في شأن مريم عليهم السلام : ( ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) (1) . كل منهما كان له مزايا كثيرة من القيم ، ذكرت في القرآن ، ولكن ما هو موضع اهتمام هذا البحث هي ملكة عفتهما . فيوسف أبتلي ونجا بفضل ____________ (1) سورة آل عمران ، الآية : 42 . العفاف ، ومريم امتحنت ونجت في ظل العفاف . والمهم هو ماذا كان طريق نجاة هذين المعصومين ؟ وماذا كان رد كل منهما حين الخطر وماذا قالا ؟ عندما كان يوسف عليه السلام يمتحن كان تعبير القرآن : ( ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رءا برهان ربّه ) (1) . أي ان الكلام ليس في مقام الفعل ، وليس في مرحلة المقدمات أيضاً بل في نشأة الاهتمام وهذه هي المرحلة الثالثة . المراد من مرحلة الاهتمام هنا هو ذلك الذي همت به تلك المرأة المصرية ووصلت همتها إلى حد ملاحقة يوسف عليه السلام إلى الفعلية ، ولكن يوسف الصديق عليه السلام ليس فقط لم يكن في العمل ولا في مقدمات العمل ، بل لم يكن هناك قصد وهمة وخيال أيضاً ، بدليل ان الآية الشريفة علقت همة وقصد يوسف بشيء لم يحصل وقالت : ( وهمّ بها لولا أن رءا برهان ربّه ) . لم يقصد لأنه رآى برهان الرب . وهناك شواهد كثيرة أخرى يذكر الله تعالى يوسف كعبد طاهر ومعصوم . كما في قوله تعالى : ( انه من عبادنا المخلصين ) هذه هي صغرى القياس ، وكبرى القياس هي ما قاله الشيطان من أنه ليس له طريق نفوذ إلى عباد الله المخلصين . ( إلاّ عبادك منهم المخلصين ) (2) . بناء على هذا ، فباعتراف الشيطان فان يوسف الصديق كان منزهاً عن هذه الآفة ، حيث اعترفت المرأة المفترية أخيراً وقالت : ____________ (1) سورة يوسف ، الآية : 24 . (2) سورة الحجر ، الآية : 40 . ( الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه ) (1) . كما أن الله تعالى شهد أيضاً بنزاهة وقداسة يوسف وقال : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) (2) لا ( لنصرفه عن السوء ) . أما في مسألة مريم عليهم السلام نرى أنها أما بمستوى يوسف الصديق الذي ذكره الله بعنوان عبد مخلص ( من عبادنا المخلصين ) أو هي أعلى منه . بيان الموضوع هو انه حين جاء الكلام عن عفاف مريم عليهم السلام لم يكن الكلام عن ( همت به وهم بها لولا ان رءا برهان ربه ) ، بل الكلام عن : ( قالت أني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) (3) . لذا قال الله تعالى : ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً ) (4) . في الآية الآنفة لم يقل تعالى : انها لو لم تر دليلاً إلهياً لكانت رغبت ولكانت نوت ، بل قال : ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) ، كلمة ( إن كنت تقياً ) هذه هي بعنوان أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، أي اتّق ، وكأن الله تعالى يقول لنا ، لا تقوموا بهذا العمل ( إن كنتم مؤمنين ) (5) وهذا التعبير جاء كثيراً في القرآن ، أي اعملوا وفق الإيمان ، أو قوله في آية أخرى : ____________ (1) سورة يوسف ، الآية : 51 . (2) سورة يوسف ، الآية : 24 . (3) سورة مريم ، الآية : 18 . (4) سورة مريم ، الآية : 17 . (5) سورة آل عمران ، الآية : 175 . ( فهل أنتم مسلمون ) (1) ( فهل أنتم منتهون ) (2) . هذا النوع من التعابير المراد به الإرشاد . أي إذا كنتم مؤمنين اعملوا وفق إيمانكم . هنا قالت مريم لهذا الملك المتمثل ان لا يقدم على ذلك العمل إذا كان تقياً . اليس هذا التعبير ألطف من تعبير يوسف ؟ قال الله تعالى في شأن يوسف : إنه لو لم ير برهان ربّه لهمّ ، ولكن لم يهم لأن رأى برهان الرب ، ولكن بشأن مريم ليس فقط انها لم تهم ، بل نهت الملك المتمثل عن هذا الهم أيضاً . لنر الآن من كان مربي مريم عليهم السلام ؟ كانت امرأة ، مريم لم تترب على يد رجل ، لم تترب على يد أبيها ، بل تربت على يد أمها ، كثير من الناس صالحون ، لكنهم لا يستطيعون ان يكونوا آباء لبنات مثل مريم ، أو أمهات لبنات مثل مريم . هناك شروط كثيرة لازمة حتى يستطيع الإنسان الوصول إلى درجة بحيث يهدي ابنه إلى الله ، والله يتقبل ذلك الابن . أم مريم اعاذت مريم بالله ، والله تعالى اعطاها اللجوء وتقبلها في كنفه . أثر استعاذة أم مريم : عندما ولدت مريم ، قالت أمها : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ) (3) . فقال الله تعالى : ( فتقبلها ربّها بقبول حسن ) (4) . ____________ (1) سورة هود ، الآية : 14 . (2) سورة المائدة ، الآية : 91 . (3) سورة آل عمران ، الآية : 36 . (4) سورة آل عمران ، الآية : 37 . ثم قال : ( وأنبتها نباتاً حسناً ) (1) . هناك أفراد كثيرون يتقبل الله سعيهم فقط ولي أنفسهم ، ولذا فان الله تعالى لا يقول في شأن جميع الافراد بأنه تقبلهم وأعاذهم بل يقول : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) (2) . ان قبول العمل هو غير قبول ذات العامل . فأعمال كثير من الناس مقبولة . ولكن هل ان جواهر ذواتهم مقبولة أيضاً أم لا ؟ ان الله تعالى قال بشأن مريم : ( فنقبلها ) ولم يقل ( تقل عملها ) بناء على هذا فان أم مريم أعادتها بالله ، فاعطى الله العوذ ، كانت تلك الاستعاذة بالله في جوار المحراب حيث تستجاب وتقول ابنتها : ( إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقياً ) . حين تراجع الكتب الأدبية يلاحظ ان الذين كانت لديهم معرفة بالمعارف القرآنية يفسرون كلام أم مريم كما قالته ، ولكن الذين لم يصلوا إلى تلك المعارف الرفيعة ، يفسرون كلام أم مريم هذا بتلك التقاليد الجاهلية . التشبية في بيان أم مريم عليها السلام : يبين القرآن الكريم قضيّة ولادة مريم عليهم السلام بهذا الشكل : ( فلما وضعتها قالت ربّ انّي وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وأنّي سميتها مريم وإنّي أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) (3) . ____________ (1) سورة آل عمران ، الآية : 37 . (2) سورة المائدة ، الآية : 27 . (3) سورة آل عمران ، الآية : 36 . |
| | |