بدأت الشمس بالطلوع من مغربها | |
بدأت الشمس تطلع من مغربها
هذا ما بدأ يروج له بعض الأشياخ من علماء الملة، ذلك أن الحديث النبوي الذي يشير إلى هذه الظاهرة الكونية في نظرهم نص مُؤول متعدد الأوجه لغة، أو هو حمّال لأوجه عدة في اللغة العربية ، وقد تمت – حسب ظنهم – بوادر هذه الظاهرة التي تعد من علامات الساعة الكبرى.
ونص الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " وفي رواية : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].
من خلال هذا الحديث النبوي الشريف تطرق – كما ذكرت – بعض المتفقهة إلى تشكيل نص الكلام النبوي حسب هواهم ، فقالوا : إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن مطلع الشمس من المغرب يؤول إلى طلوع الإسلام من الغرب ، لأن المجاز في اللغة وارد بإجماع العلماء قديما وحديثا ، وطلوع الشمس ليس بالضرورة نصا أحادي المعنى غير محتمل للتأويل ، بل هو من النصوص التي رواها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل ضرب المجاز اللغوي ، وهي من الكثرة ما لا يحصى.
وأضاف هؤلاء المتفقهة : ذلك أن الحديث النبوي عامة جاء بلسان عربي مبين ، واللغة العربية لغة مجاز كما هي لغة حقيقة ، فلا ضير في تفسير أي حديث نبوي بالمجاز كما نفسره بالحقيقة، والحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة حمّال للمجاز، فالشمس تعني الإسلام، وطلوعها من المغرب أي من العالم الغربي...وقد بدأت بوادر هذه الظاهرة بالظهور مما نراه من دخول الجم الغفير من الغربيين إلى الإسلام.
أقول : بداية يجب أن نفرق بين مواطن المجاز اللغوي في النص الديني، فالنصوص القرآنية أو الحديثية في الإسلام ليست سواء، إذ نجد من بينها أحكاما تشريعية وأخرى عقدية، أما الأحكام التشريعية فقد ألفنا استعمال المجاز في تعبيراتها ، أما الأحكام العقدية التي هي من صميم التوحيد فلا وجود للمجاز فيها باتفاق أكثر العلماء ، لذلك فإن حديث طلوع الشمس من مغربها من النصوص العقدية التي لا تحتمل المجاز.
ثانيا: إن المتمعن في الحديث مليا يتأكد من سخافات هؤلاء المتفقهة، حيث إن سياق الكلام النبوي يكذب دعواهم تلك أيما تكذيب، إذ قال الحبيب المصطفى:" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون"
وعبارة "رآها الناس آمنوا أجمعون" تدل على أنها ظاهرة كونية حقا ، كما أن رأيت الشمس وهي تطلع من مغربها حقيقة تدفع الناس أجمعين إلى الإيمان، أما إن أوّلنا هذه الظاهرة إلى غير ذلك فإنها لن تكون لها مزية دخول الناس إلى الإيمان، كدخول الغربيين إلى الإسلام لن يكون مؤثرا في إيمان البوذيين مثلا.
ثالثا: ما الداعي إلى تأويل الحديث النبوي على هذا النحو الخاطئ ؟ أهو استخفاف بقدرة الله تعالى على فعل هذه الظاهرة الكونية أم هو استعجال لأمر الله تعالى وقد قال المولى عز وجل : " أتى أمر الله فلا تستعجلوه".
إن العقلية التي يروج لها أمثال هؤلاء المتفقهة ويتصرفون من خلالها في النص الديني عقلية قديمة قدم النص الديني نفسه، فجميع الرسالات السماوية السابقة تصرف فيها أهلها حسب هواهم لفظا ومعنى إلا رسالة الإسلام فقد تصرف فيها أكثر العلماء في المعنى دون اللفظ ، ذلك أن الله تعالى تكفل بحفظ النص الديني المكتوب وأرخى للعالمين تعدد الأفهام في النص الواحد ابتلاء منه تعالى ، فكل فهم قام على افتراضات فهو فهم بعيد عن جوهر الإسلام، كما أن كل معنى تركز على احتمالات فهو معنى سقيم ، لأن الإسلام في أحكامه جاء واضح المعالم و الثوابت،فلسنا بحاجة إلى تعقيد أحكامه بعد وضوحها..... |