>سكتت الفتاة قليلا … ثم تابعت قائلة : لقد أصبحت أشك .. هل هناك سعادة
>حقيقية في هذه الدنيا ؟!! .. وإذا كانت موجودة بالفعل .. فأين هي ؟!!.. وما
>هو الطريق الموصل إليها .. فقد مللت من هذه الحياة الرتيبة الكئيبة …
>
>فقال لها الشيخ ( محمد ) : أختاه … لقد أخطأتِ طريق السعادة .. ولقد سلكتِ
>سبيلا غير سبيلها … فاسمعي مني .. لتعرفي طريق السعادة الحقة !! ….
>*****
>
>
>إن السعادة الحقيقية أن تلجأي إلى الله تعالى .. وتتضرعي له .. وتنكسري بين
>يديه .. وتقومي لمناجاته في ظلام الليل .. ليطرد عنك الهموم والغموم ..
>ويداوي جراحك .. ويفيض على قلبك السكينة والانشراح …
>
>أختاه : إذا أردتِ السعادة فاقرعي أبواب السماء بالليل والنهار .. بدلا من
>قرع أرقام الهاتف .. على أولئك الشباب التافهين الغافلين الضائعين ..
>
>صدقيني يا أختاه .. إن الناس كلهم لن يفهموك .. ولن يقدروا ظروفك .. ولن
>يفهموا أحاسيسك .. وحين تلجأين إليهم .. فمنهم من يشمت بك .. أو يسخر من
>أفكارك .. ومنهم من يحاول استغلالك لأغراضه ومآربه الشخصية الخسيسة ..
>ومنهم من يرغب في مساعدتك .. ولكنه لا يملك لكِ نفعاً ولا ضرا …
>
>أختاه : إنكِ لن تجدي دواءً لمرضك النفسي .. لعطشك وجوعك الداخلي .. إلا
>بالبكاء بين يدي الله تعالى .. ولن تشعري بالسكينة والطمأنينة والراحة ..
>إلا وأنتِ واقفة بين يديه .. تناجينه وتسكبين عبراتك الساخنة .. وتطلقين
>زفراتك المحترقة .. على أيام الغفلة الماضية …
>
>قالت الفتاة .. والعبرة تخنقها : لقد فكرت في ذلك كثيرا … ولكن الخجل من
>الله .. والحياء من ذنوبي وتقصيري يمنعني من ذلك .. إذ كيف ألجأ إلى الله
>وأطلب منه المعونة والتيسير .. وأنا مقصرة في طاعته .. مبارزة له بالذنوب
>والمعاصي …
>
>فقال لها ( محمد ) : سبحان الله …يا أختاه : إن الناس إذا أغضبهم شخص وخالف
>أمرهم … غضبوا عليه ولم يسامحوه .. وأعرضوا عنه ولم يقفوا معه في الشدائد
>والنكبات … ولكن الله لا يغلق أبوابه في وجه أحد من عباده .. ولو كان من
>أكبر العصاة وأعتاهم .. بل متى تاب المرء وأناب … فتح له أبواب رحمته ..
>وتلقاه بالمغفرة والعفو .. بل حتى إذا لم يتب إليه … فإنه جل وعلا يمهله
>ولا يعاجله بالعقوبة … بل ويناديه ويرغبه في التوبة والإنابة … أما علمت أن
>الله تعالى يقول في الحديث القدسي : « إني والجن والإنس في نبأ عظيم ..
>أتحبب إليهم بنعمتي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم الفقراء
>إلي !! من أقبل منهم إلي تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من
>قريب ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم ، فإني
>أحب التوابين والمتطهرين ، وإن تباعدوا عني فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب
>لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، رحمتي سبقت غضبي ، وحلمي سبق مؤاخذتي ، وعفوي
>سبق عقوبتي ، وأنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها »
>
>وما كاد ( محمد ) ينتهي من ذلك الحديث القدسي … حتى انفجرت الفتاة بالبكاء
>.. وهي تردد : ما أحلم الله عنا … ما أرحم الله بنا ….
>
>بعد أن هدأت الفتاة .. واصل الشيخ ( محمد ) حديثه قائلا :
>
>أختاه : إنني مثلك أبحث عن السعادة الحقيقية في هذه الدنيا .. ولقد وجدتها
>أخيرا .. وجدتها في طاعة الله … في الحياة مع الله وفي ظل مرضاته .. وجدتها
>في التوبة والأوبة .. وجدتها في الإستغفار من الحوبة … وجدتها في دموع
>الأسحار .. وجدتها في مصاحبة الصالحين الأبرار … وجدتها في بكاء التائبين
>.. وجدتها في أنين المذنبين .. وجدتها في استغفار العاصين .. وجدتها في
>تسبيح المستغفرين .. وجدتها في الخشوع والركوع .. وجدتها في الانكسار لله
>والخضوع .. وجدتها في البكاء من خشية الله والدموع .. وجدتها في الصيام
>والقيام .. وجدتها في امتثال شرع الملك العلام .. وجدتها في تلاوة القرآن …
>وجدتها في هجر
>
>المسلسلات والألحان …
>
>أختاه : لقد بحثت عن الحب الحقيقي الصادق .. فوجدت أن الناس إذا احبوا
>أخذوا .. وإذا منحوا طلبوا .. وإذا أعطوا سلبوا .. ولكن الله تعالى .. إذا
>أحب عبده أعطاه بغير حساب .. وإذا أطيع جازى وأثاب ..
>
>أيتها الغالية : إن الناس لا يمكن أن يمنحونا ما نبحث عنه من صدق وأمان ..
>وما نطلبه من رقة وحنان .. ونتعطش إليه من دفء وسلوان .. لأن كل منهم مشغول
>بنفسه .. مهتم بذاته .. ثم إن أكثرهم محروم من هذه المشاعر السامية
>والعواطف النبيلة .. ولا يعرف معناها فضلا عن أن يتذوق طعمها .. ومن كان
>هذا حاله .. فهو عاجز عن منحها للآخرين .. لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما هو
>معروف …
>
>أختاه : لن تجدي أحدا يمنحك ما تبحثين عنه .. إلا ربك ومولاك .. فإن الناس
>يغلقون أبوابهم .. وبابه سبحانه مفتوح للسائلين .. وهو باسط يده بالليل
>والنهار .. ينادي عباده : تعالوا إلي ؟ هلموا إلى طاعتي .. لأقضي حاجتكم ..
>وأمنحكم الأمان والراحة والحنان .. كما قال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني
>فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم
>يرشدون }
>
>أختاه : إن السعادة الحقيقية .. لا تكون إلا بالحياة مع الله .. والعيش في
>كنفه سبحانه وتعالى .. لأن في النفس البشرية عامة .. ظمأ وعطشاً داخلياً ..
>لا يرويه عطف الوالدين .. ولا يسده حنان الإخوة والأقارب .. ولا يشبعه حب
>الأزواج وغرامهم وعواطفهم الرقيقة .. ولا تملأه مودة الزميلات والصديقات ..
>فكل ما تقدم يروي بعض الظمأ .. ويسقي بعض العطش .. لأن كل إنسان مشغول بظمأ
>نفسه .. فهو بالتالي أعجز عن أن يحقق الري الكامل لغيره .. ولكن الري
>الكامل والشبع التام لا يكون إلا باللجوء إلى الله تعالى .. والعيش في ظل
>طاعته .. والحياة تحت أوامره .. والسير في طريق هدايته ونوره .. فحينها
>تشعرين بالسعادة التامة .. وتتذوقين معنى الحب الحقيقي .. وتحسين بمذاق
>اللذة الصافية .. الخالية من المنغصات والمكدرات .. فهلا جربتِ هذا الطريق
>ولو مرة واحدة .. وحينها ستشعرين بالفرق العظيم … وسترين النتيجة بنفسك …
>
>فأجابت الفتاة … ودموع التوبة تنهمر من عينيها : نعم .. هذا والله هو
>الطريق !! وهذا هو ما كنت أبحث عنه .. وكم تمنيت أنني سمعت هذا الكلام ..
>منذ سنين بعيدة .. ليوقظني من غفلتي .. وينتشلني من تيهي وحيرتي .. ويلهمني
>طريق الصواب والرشد …
>
>فبادرها ( محمد ) قائلا .. إذن فلنبدأ الطريق .. من هذه اللحظة .. وهاهو
>الفجر ظهر وبزغ .. وهاهي خيوط الفجر المتألقة تتسرب إلى الكون قليلاً قليلا
>.. وهاهي أصوات المؤذنين تتعالى في كل مكان .. تهتف بالقلوب الحائرة
>والنفوس التائهة .. أن تعود إلى ربها ومولاها .. وهاهي نسمات الفجر الدافئة
>الرقيقة .. تناديك أن عودي إلى ربك .. عودي إلى مولاك .. فأسرعي وابدئي
>صفحة جديدة من عمرك … وليكن هذا الفجر هو يوم ميلادك الجديد .. وليكن أول
>ما تبدئين به حياتك الجديدة .. ركعتان تقفين بهما بين يدي الله تعالى ..
>وتسكبين فيها العبرات .. وتطلقين فيها الزفرات والآهات .. على المعاصي
>والذنوب السالفات ..
>
>وأرجوا أن تهاتفيني بعد أسبوعين من الآن … لنرى هل وجدت طعم السعادة
>الحقيقية أم لا ؟
>
>ثم أغلق ( محمد ) السماعة … وأنهى المكالمة …
>
>بعد أسبوعين .. وفي الموعد المحدد .. اتصلت الفتاة بـ ( محمد ) .. ونبرات
>صوتها تطفح بالبشر والسرور .. وحروف كلماتها تكاد تقفز فرحاً وحبورا .. ثم
>بادرت قائلة :
>
>وأخيراً .. وجدت طعم السعادة الحقيقية .. وأخيراً وصلت إلى شاطئ الأمان
>الذي أبحرت بحثاً عنه .. وأخيرا شعرت بمعنى الراحة والهدوء النفسي ..
>وأخيراً شربت من ماء السكينة والطمأنينة القلبية الذي كنت أتعطش إليه …
>وأخيراً غسلت روحي بماء الدموع العذب الزلال .. فغدت نفسي محلقة في الملكوت
>الأعلى .. وأخيرا داويت قلبي الجريح .. ببلسم التوبة الصادقة فكان الشفاء
>على الفور … لقد أيقنت فعلا .. أنه لا سعادة إلا في طاعة الله وامتثال
>أوامره .. وما عدا ذلك فهو سراب خادع .. ووهم زائف .. سرعان ما ينكشف ويزول
>…
>
>وإني أطلب منك يا شيخ طلباً بسيطا … وهو أن تنشر قصتي هذه كاملة .. فكثير
>من الفتيات تائهات حائرات مثلي … ولعل الله أن يهديهن بها طريق الرشاد …
>
>فقال لها الشيخ ( محمد ) عسى أن تري ذلك قريبا
|