>.. لماذا لا تكونين أنتِ المبادرة ؟!!… لماذا لا تحاولين الاقتراب منها
>أكثر ؟!!
>
>فقالت : لقد حاولت ذلك .. واقتربت منها ذات مرة .. وارتميت في حضنها ..
>وأخذت أبكي وأبكي .. وهي تنظر إلي باستغراب !! .. وقلت لها :
>أماه : أنا محطمة من داخلي … إنني أنزف من أعماقي !! .. قفي معي .. ولا
>تتركيني وحدي … إنني أحتاجك أكثر من أي وقت مضى … !!
>
>فنظرت إلي مندهشة !!.. ووضعت يدها على رأسي تتحسس حرارتي … ثم قالت :
>ما هذا الكلام الذي تقولينه ؟! … إما أنكِ مريضة !! .. وقد أثر المرض على
>تفكيرك .. وإما أنكِ تتظاهرين بالمرض .. لأعفيكِ من بعض أعمال المنزل ..
>وهذا مستحيل جداً … ثم قامت عني ورفعت سماعة التليفون .. تحادث إحدى
>جاراتها .. فتركتها وعدت إلى غرفتي .. أبكي دماً في داخلي قبل أن أبكي
>دموعاً !!..
>
>ثم انخرطت الفتاة في بكاء مرير !!
>
>حاول ( محمد ) أن يغير مجرى الحديث فسألها : وما دور أخواتك وأخوتك الآخرين
>؟
>
>فقالت : إنه دور سلبي للغاية !! .. فالإخوان والأخوات المتزوجات .. كل منهم
>مشغول بنفسه .. وإذا تحدثت معهم عن مأساتي .. سمعت منهم الجواب المعهود :
>
>وماذا ينقصك ؟ احمدي ربك على الحياة المترفة … التي تعيشين فيها …
>
>وأما أخي غير المتزوج … فهو مثلي حائر تائه .. أغلب وقته يقضيه خارج المنزل
>.. مع شلل السوء ورفقاء الفساد .. يتسكع في الأسواق وعلى الأرصفة !!
>
>أراد الشيخ ( محمد ) أن يستكشف شيئاً من خبايا نفسية تلك الفتاة … فسألها :
>
>
>إن من طلب شيئاً بحث عنه وسعى إلى تحصيله … وما دمت تطلبين السعادة والأمان
>.. الذي يسد جوعك النفسي .. فهل بحثتِ عن هذه السعادة ؟؟
>
>فقالت الفتاة بنبرة جادة : لقد بحثت عن السعادة … في كل شيء .. فما وجدتها
>!!!
>
>لقد كنت ألبس أفخر الملابس وأفخمها … من أرقى بيوت الأزياء العالمية ..
>ظناً مني أن السعادة حين تشير إلى ملابسي فلانة .. أو تمدحها وتثني عليها
>فلانة … أو تتابعني نظرات الإعجاب من فلانة … ولكنني سرعان ما اكتشفت
>الحقيقة الأليمة …. إنها سعادة زائفة وهمية .. لا تبقى إلا ساعة بل أقل …
>ثم يصبح ذلك الفستان الجديد الذي كنت أظن السعادة فيه … مثل سائر ملابسي
>القديمة .. ويعود الهم والضيق والمرارة إلى نفسي … وأشعر بالفراغ والوحدة
>تحاصرني من كل جانب .. ولو كان حولي مئات الزميلات والصديقات !!
>
>ظننت السعادة في الرحلات والسفرات .. والتنقل من بلد لآخر .. ومن شاطئ لآخر
>.. ومن فندق لفندق .. فكنت أسافر مع والدي وعائلتي .. لنطوف العالم في
>الإجازات .. ولكني كنت أعود من كل رحلة .. وقد ازداد همي وضيقي .. وازدادت
>الوحشة التي أشعر بها تجتاح كياني …..
>
>وظننت السعادة في الغناء والموسيقى … فكنت أشتري أغلب ألبومات الأغاني
>العربية والغربية التي تنزل إلى الأسواق … فور نزولها .. وأقضي الساعات
>الطوال في غرفتي … في سماعها والرقص على أنغامها … طمعاً في تذوق معنى
>السعادة الحقيقية .. ورغبة في إشباع الجوع النفسي الذي أشعر به .. وظناً
>مني أن السعادة في الغناء والرقص والتمايل مع الأنغام … ولكنني اكتشفت أنها
>سعادة وهمية … لا تمكث إلا دقائق معدودة أثناء الأغنية … ثم بعد الانتهاء
>منها .. يزداد همي .. وتشتعل نار غريبة في داخلي .. وتنقبض نفسي أكثر وأكثر
>.. فعمدت إلى كل تلك الأشرطة فأحرقتها بالنار .. عسى أن تطفئ النار التي
>بداخلي …
>
>وظننت أن السعادة في مشاهدة المسلسلات والأفلام والتنقل بين الفضائيات ..
>فعكفت على أكثر من ثلاثين قناة .. أتنقل بينها طوال يومي .. وكنت أركز على
>المسلسلات والأفلام الكوميدية المضحكة .. ظناً مني أن السعادة هي في الضحك
>والفرفشة والمرح …
>وبالفعل كنت أضحك كثيراً وأنا اشاهدها … وأنتقل من قناة لأخرى … لكنني في
>الحقيقة … كنت وأنا أضحك بفمي .. أنزف وأتألم من أعماق قلبي … وكلما ازددت
>ضحكاً وفرفشة .. ازداد النزيف الروحي …
>
>وتعمقت الجراح في داخلي … وحاصرتني الهموم والآلام النفسية ….
>
>وسمعت من بعض الزميلات .. أن السعادة في أن ارتبط مع شاب وسيم أنيق ..
>يبادلني كلمات الغرام .. ويبثني عبارات العشق والهيام .. ويتغزل بمحاسني كل
>ليلة عبر الهاتف … وسلكت هذا الطريق .. وأخذت أتنقل من شاب لآخر .. بحثاً
>عن السعادة والراحة النفسية … ومع ذلك لم أشعر بطعم السعادة الحقيقية .. بل
>بالعكس .. مع انتهاء كل مقابلة أو مكالمة هاتفية .. أشعر بالقلق والاضطراب
>يسيطر على روحي … وأشعر بنار المعصية تشتعل في داخلي .. وأدخل في دوامة من
>التفكير المضني والشرود الدائم … وأشعر بالخوف من المستقبل المجهول .. يملأ
>علي كياني .. فكأنني في حقيقة الأمر .. هربت من جحيم إلى جحيم أبشع منه
>وأشنع ..
>
>سكتت الفتاة قليلا .. ثم تابعت قائلة :
>
>ولذلك لابد أن تفهموا وتعرفوا .. نفسية ودوافع أولئك الفتيات .. اللاتي
>ترونهن في الأسواق .. وهن يستعرضن بملابسهن المثيرة .. ويغازلن ويعاكسن
>ويتضاحكن بصوت مرتفع .. ويعرضن لحومهن ومحاسنهن ومفاتنهن .. للذئاب الجائعة
>العاوية من الشباب التافهين … إنهن في الحقيقة ضحايا ولسن بمجرمات ..إنهن
>في الحقيقة مقتولات لا قاتلات .. إنهن ضحايا الظلم العائلي .. إنهن حصاد
>القسوة والإهمال العاطفي من الوالدين .. إنهن نتائج التفكك الأسري والجفاف
>الإيماني .. إن كل واحدة منهن … تحمل في داخلها مأساة مؤلمة دامية .. هي
>التي دفعتها إلى مثل هذه التصرفات الحمقاء .. وهي التي قادتها إلى أن تعرض
>نفسها .. على الذئاب المفترسة التي تملأ الأسواق والشوارع … وإن الغريزة
>الشهوانية الجنسية .. لا يمكن أن تكون لوحدها … هي الدافع للفتاة المسلمة
>.. لكي تعرض لحمها وجسدها في الأسواق .. وتبتذل وتهين نفسها بالتقاط رقم
>فلان .. وتبيع كرامتها بالركوب في السيارة مع فلان .. وتهدر شرفها بالخلود
>مع فلان ….
>
>فبادرها ( محمد ) قائلا : ولكن يبرز هنا سؤال مهم جدا ، وهو : هل مرورها
>بأزمة نفسية .. ومأساة عائلية .. يبرر لها ويسوغ لها أن تعصي ربها تعالى ..
>وتبيع عفافها .. وتتخلى عن شرفها وطهرها .. وتعرض نفسها لشياطين الإنس ..
>هل هذا هو الحل المناسب لمشكلتها ومأساتها ؟؟ هل هذا سيغير من واقعها
>المرير المؤلم شيئا ؟؟
>
>فأجابت الفتاة : أنا أعترف بأنه لن يغير شيئا من واقعها المرير المؤلم ..
>بل سيزيد الأمر سوءاً ومرارة .. وليس مقصودي الدفاع عن أولئك الفتيات ..
>إنما مقصودي : إذا رأيتموهن فارحموهن وأشفقوا عليهن .. وادعوا لهن بالهداية
>ووجهوهن .. فإنهن تائهات حائرات … يحسبن أن هذا هو الطريق الموصل للسعادة
>التي يبحثن عنها ….
>
|