16-04-2005, 03:03 PM
|
#7 (permalink)
|
| قلم من الماس |
المحور الرابع : عوامل الثبات عند المُلِمَّات :
إن من لطف الله تعالى ؛ و { اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } [ الشورى : 19 ] أن لا يبتليهم إلا بما يطيقون ، و أن يلطف بهم فيما ابتلاهم به ، فيعينهم و يثبتهم ، على ما يرضيه عنهم و يرتضيه لهم .
و في دينه الذي ارتضاه لعباده من العوامل المساعدة على ثبات العباد على ضراوة الفتن و البلاء الشيء الكثير ، الذي لا يستصحبه عبد في شدّة إلا خفف عنه ، و ربط على قلبه ، و من هذه العوامل : أوّلاً : التعرف على الله في الرخاء :
من كان مع الله كان الله معه بلا ريب ، كيف و لا جزاء للإحسان إلا بالإحسان ، و من تقرّب إلى الله شبراً تقربّ إليه باعاً ، و من تقربّ إليه باعاً تقرّب إليه ذراعاً ، و من أتى ربّه ماشياً أتاه ربُّه هرولة ، كما ثبت ذلك فيما رواه الشيخان و غيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال النبي : ( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، و إن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، و إن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ، و إن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
قال الإمام الترمذي بعد أن روى هذا الحديث في سننه : و يروى عَن الأَعْمَشِ في تفسيرِ هَذَا الحَدِيثِ ( من تقرَّبَ منِّي شِبراً تقرَّبتُ منهُ ذراعاً ) يعني : بالمغفرةِ و الرَّحمةِ ، و هكذا فسَّرَ بعضُ أهلِ العلمِ هَذَا الحَدِيثَ . قَالُوا : إنَّما معناهُ يقولُ : إذا تقرَّبَ إليَّ العبدُ بطَاعَتي و بما أَمَرْتُ تُسَارِعُ إليهِ مغفرتي و رَحْمَتِي .اهـ .
و روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : كنت رديف النبي فقال : ( يا غلام أو يا غُلَيم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ ) فقلت : بلى ، فقال : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة ، و إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، قد جف القلم بما هو كائن ؛ فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و إن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و اعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، و أن النصر مع الصبر ، و أن الفَرَجَ مع الكرب ، و أن مع العُسر يُسراً ) .
و مما تقدم و نحوه يتبين لنا فضل الإقبال على الله في ساعات الرخاء ، و تتأكد ثمرة ذلك في ساعات الشدائد و البلاء ؛ حيث تتجلى مكافأة بالأولى ، و هو نصرة الله و تسديده و تثبيته لعبده حين يكون أحوج ما يكون إلى رحمة من يقول : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الحجر : 49 ] . ثانياً : الإيمان بالقدر :
لا شيء يبعث على التسليم و الطمأنينة عند نزول القضاء مثل التسليم لله في قضائه و قدره ، و البعد عن التسخط و الضجر .
قال تعالى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحديد : 22 ] .
فلا يكمل إيمان عبد و لا يستقيم حتى يؤمن بالقدر خيره و شرّه ، و يعرف أن من صفته تعالى أن يُقَّدر و يلطف ، و يبتلي و يخفف ، و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } [ يوسف : 100 ] .
روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه : يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، و ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، سمعت رسول الله يقول : ( إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب . قال : ربِّ ! و ماذا أكتب ؟ قال : اكتُب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) يا بُنَيَّ ! إني سمعت رسول الله يقول : ( من مات على غير هذا فليس مني ) .
و ثبت في المسند و عند الطبراني ( في الأوسط ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، عن النبي ، قال : ( لكل شيء حقيقة ، و ما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه ) .
قال الإمام المناوي رحمه الله شارحاً هذا الحديث =[ في فيض القدير ] : ( إن لكل شيء حقيقة ) أي : كنهاً ( و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم ) علماً جازماً ( أن ) أي : بأن ( ما أصابه ) من المقادير ، أي : وصل إليه منها ( لم يكن ليُخطئه ) ؛ لأن ما قُدر عليه في الأزل لا بد أن يصيبه ، و لا يصيب غيره منه شيئاً ، ( و ما أخطأه ) منها ( لم يكن ليُصيبه ) ، و إن تعرَّضَ له ؛ لأنه بان أنه ليس مقدراً عليه ، و لا يُصيبه إلا ما قُدِّرَ عليه . و المراد : أن من تَلَبَّسَ بكمال الإيمان ، و وَلَجَ نورُه في قلبه حقيقةً ؛ عَلِمَ أنه قد فُرِغ مما أصابه أو أخطأه من خيرٍ و شرٍّ ، فما أصابَه فإِصابَتُهُ له مُتَحتِّمةٌ ، لا يُتَصوَّر أن يُخطئه ، و ما أخطأَهُ فسلامَتُهُ منه مُتَحتِّمةٌ ؛ لأنَّها سهامٌ صائبةٌ وُجِّهَت في الأَزَل ؛ فلا بد أن تقع مواقعها . اهـ . ثالثاً : النظر إلى ما حلّ بالعبد على أنّه مصيبة و لكنها أهون من غيرها :
جاء في الحكمة : ( من نظر إلى مصاب غيره هانت عليه مصيبته ) .
و من ثمرات إعمال هذه الحكمة الإقرار بأن مصيبة الدنيا أهون من مصيبة الدين ، و قد علمنا رسول الله أن نقول في دعائنا : ( اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ، و لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ) رواه الترمذي في سننه ( و قال : هذا حديث حسن غريب ) و الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
و تحمُّل البلاء العاجل خوفاً مما يترتب على فتنة الدين من العذاب في الآجل ؛ هو اختيار الأنبياء ، و من اتبعهم بإحسان من الصالحين الأولياء ، فقد حكى الله تعالى عن نبيه يوسف عليه و على نبينا الصلاة و السلام قوله : { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [ يوسف : 33 ] ، فقد آثر السجن على ما فيه من الكرب و الضيق و اللأواء على ما كان ينتظره من نعيم الدنيا في كنف العزيز و فتنة النساء .
و لما كان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، صار اختيارَ من يدرك العواقب ، بما أوتي من بصيرة و نظر ثاقب ، كما أنّ اختيار أهون الشرين ، و أخف الضررين في أمور الدنيا هو مقتضى العقل و التشريع معاً .
و ما فتئ العقلاء يوازنون بين مصاب و مصاب فيجدون العزاء و السلوان في أنّهم كفوا أضعاف ما ألم بهم ، و هذا ما نلمحه من موقف أئمة السلف الصالح رضوان الله عليهم ، و منهم عروة بن الزبير ، و هو أحد أئمة التابعين ، و من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة .
قال الحافظ ابن كثير [ في البداية و النهاية : 9 / 120 ، 121 ] : قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد ، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة ، و كان مبدؤها هناك ، فظن أنها لا يكون منها ما كان ، فذهب في وجهه ذلك فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه ، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك ، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها أكلت رجله كلها إلى وركه ، و ربما ترَقَّت إلى الجسد فأكلته . فطابَتْ نفسُه بنشرها . و قالوا له : ألا نَسقيك مُرَقِّداً حتى يذهب عقلك منه ؛ فلا تُحس بألم النشر ؟ فقال : لا ! و الله ما كنت أظن أن أحداً يشرب شراباً أو يأكل شيئاً يُذهِب عقله ، و لكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك و أنا في الصلاة ، فإني لا أحس بذلك ، و لا أشعر به . قال : فنشروا رجله من فوق الأكلة ، من المكان الحي ؛ احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء ، و هو قائم يصلي ، فما تضوّرَ و لا اختلَج ، فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رِجله . فقال : اللهم لك الحمد ، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً ، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت ، و إن كنت قد أبليت فلطالما عافيت ، فلك الحمد على ما أخذت و على ما عافيت . قال : و كان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد ، و كان أحبهم إليه ، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات ، فأتوه فعزَّوه فيه ، فقال : الحمد لله كانوا سبعة فأخذتَ منهم واحداً و أبقيت ستةً ، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت ، و لئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت . فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة . قال : فما سمعناه ذكر رجله و لا ولده ، و لا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى ، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً } [ الكهف : 62 ] ، فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ، و يُعزُّونه في رجله و ولده ، فبلغه أن بعض الناس قال : إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه . فأنشد عروة في ذلك أبياتاً لمعن بن أوس يقول فيها :
لعمـرك ما أهويـت كفى لريبـة *** و لا حملتنـي نحو فاحشة رجلي
و لا قادني سمعي و لا بصري لها *** و لا دلني رأيي عليها و لا عقلي
و لسـت بماش ما حييـت لمنكـر *** من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
و لا مؤثـر نفسي على ذي قرابـة *** و أوثر ضيفي ما أقام على أهلي
و أعلـم أني لـم تصبني مصيبـة *** من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
فارض اللهم عن سلف ما انحطت لهم همة عن قمّة ، و اجعلنا من خيرة أتباعهم ، و اجمعنا بهم على ما يرضيك عنا ، بمنك و فضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين . رابعاً : احتساب الأجر عند الله تعالى :
إن الله لا يظلم الناس شيئاً ، و لكن الناس أنفسهم يظلمون ، و من عدل الله تعالى في خلقه أن ينصف المظلوم و يكافئ المحروم .
فما من عبد يصاب فيحتسب إلا استحق البشارة بالأجر الجزيل و الخير العميم و لو بعد حين ، إنجازاً لما وعد الله به عباده في كتابه ، و على لسان نبيّه القائل : ( ما يصيب المسلم من هم و لا غم و لا نصب و لا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، و قد تقدم شرحه .
كما تقدم معنا أن الابتلاء عام في نزوله على بني البشر ، و هو من سنن الله الكونية التي لا مفر منها ، و لا قبل لأحد نحوها إلا بالرضا و الصبر و التسليم ، الذي أُمرنا به و نُدبنا إليه ، كما في قول ربنا تعالى : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) [ آل عمران : 186 ] .
و إذا كان ( مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها ) ؛ فلن تكون عاقبة الجلد الصبور إلا إلى خير الأمور .
قد روى ابن ماجة و الحاكم و الترمذي ( بإسناد قال عنه : حسن غريب ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي أنه قال : ( أن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط ) .
و روى النسائي و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه من خطيئة ) ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
و ما أبلغ ما قال الرافعي : ( ما أشبه النكبة بالبيضة ، تُحسب سجناً لما فيها و هي تحوطه ، و تربيه و تعينه على تمامه ، و ليس عليه إلا الصبر إلى مدة ، و الرضا إلى غاية ، ثم تفقس البيضة ، فيخرج خلقاً آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، و ما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته ) .
فطوبى للصابرين ، و العاقبة للمتقين .
|
| |