عرض مشاركة واحدة
قديم 16-04-2005, 02:54 PM   #4 (permalink)
محبة الرحمن
قلم من الماس
 

محبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائه






الابتلاء سنّة الله في خلقه




محاضرة ملقاة في مسجد دَبلِن بإيرلندا يوم السبت الواقع في غرّةِ ذي القعدة عام 1423 هـ الموافق للرابع من يناير ـ كانون الثاني ـ 2003 م )

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلا وَ أَنْتُمْ مسلمون } [ آل عمران : 102 ] .
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء : 1 ] .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيْداً  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 70 – 71 ] .
أمّا بعد فأيها الحضور الكريم !
أحمد الله تعالى الذي جمعنا معاً في هذا المجلس الطيب ، و أسأله تعالى أن يجعله مجلساً مباركاً ، لا تِرَةَ فيه و لا ندامة ، تتنزل على أهله السكينة ، و تحفهم الملائكة ، و تغشاهم الرحمة ، و يذكرهم الله تعالى فيمن عنده ، كما ثبت الوعد بذلك لقوم يجتمعون في بيت من بيوت الله ، يقرؤون كتاب الله ، و يتدارسونه فيما بينهم ، فيما رواه مسلم و أبو داود و ابن ماجة .
إخوتي و أحبّتي في الله !
{ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيْدُ  إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } وَ مَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ  .
فعليكم بتقوى الله العظيم و طاعته ، و أحذّركم وبال عصيانه و مخالفة أمره ، و أُذَكِّرُكُم و نفسي بأنّ حياتنا قائمةٌ على الابتلاء ، حيث قال تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [ الإنسان : 2 ] ، و قال سبحانه : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ } [ البلد : 4 ] ، أي : في مكابدة و معاناة منذ مولده في دارٍ كلّها بلاء و عناء و كدر ، أحسن في وصفها الإمام علي رضي الله عنه لمن سأه عنها : دار أولها بكاء و أوسطها عناء و آخرها فناء .
و وَصَفَها أبو الحسن التهامي فأجاد في قوله :

جُبلت على كَدَرٍ و أنت تريدها ***صفواً من الآلام و الأكدارِ
و مُكَلِّفُ الأيامِ ضدَّ طِباعِهـا *** مُتَطَلِّبٌ في الماء جذوةَ نارِ


هذه هي الدنيا الدنيّة ، لم يسلَم منها أحد ، و مع ذلك فلم يكف عن السعي في الاستزادة منها أحد ، و أسعد الناس فيها من قَنِع منها ببُلغة تبلغه غايته ، و لُقمةٍ يسد بها جوعته ، و ليبذل وسعه بعد ذلك في مقارعة البلاء و اللأواء ، في دار الابتلاءِ ؛ سنةِ اللهِ في خلقِه ، و قدره المحتوم الذي لا يتخلّف في عباده .
و حديثنا اليوم عن الابتلاء له من المبررات الشيئ الكثير ، فهو ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ، و هو موضوع تمس إليه الحاجة في زمن غربة الدين التي تكاد تطبق على حياة المسلم من كل جهة و جانب ، الغربةِ التي لا يكاد يشعر بها من لم يستشعر عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه دينه و أمته ، و لا من لم يتذوق حلاوة الإيمان في حياته الدنيا .
و للمسلم حلاوتان يذوقهما في حياته معاً ؛ حلاوة الإيمان المترتبة على حبه لله و لرسوله ، و حبه العباد في الله دون سواه ، و كراهيته الكفر بعد الإيمان كما يكره أن يُلقى في النار ، فمن ذاق حلاوة الإيمان المترتبة على هذه الخصال ، كان أهلاً لنيل حلاوة التضحية في سبيل الله ، و بذل الغالي و النفيس من النقير إلى القِطمير في سبيل ، فلا يلوي ذراعه بلاء ، و لا تلين له قناة أمام الشدائد و العناء .
أما من أعرض عن ذكر ربِّه { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [ طه : 124 ] .

نعم أيها الأحباب الكرام ..
مَن جانَبَ الهدى ، فمصيره إلى الردى ، و حياته ضنكٌ تعُجُّ بالبلاء ، و تصير به و بغيره إلى هلاكٍ و فناء .
و لكي نعطي موضوع حديثنا اليوم بعض حقه - و ليس بمقدورنا إيفاءه الحق كلّه في هذه العُجالة – نركز فيما يسعفنا به الوقت على المحاور التالية :

المحور الأول : تحرير معنى البلاء و الابتلاء في اللغة و الاصطلاح :
للبلاء في اللغة معان أشهرها ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله [ عند تفسير الآية الثانية بعد المائة من سوره الصافات في الجزء الخامس عشر من تفسيره ] .
أولاً : الإنعام ، و هو بذل النعمة للغير ، كما في قوله تعالى : ( إن هذا لهو البلاء المبين ) أي النعمة الظاهرة ؛ يقال : أبلاه الله إبلاء و بلاء إذا أنعم عليه . و قد يقال بلاه ، كما قال زهير :
فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
أي : صَنَع بهما خيرَ الصَّنِيع الذي يَبْلُو به عباده .
ثانياً : الاختبار و الامتحان بالخير أو الشر ، كما في قوله تعالى : ( و نبلوكم بالشر و الخير فتنة ) [ الأنبياء : 35 ] ، أي اختباراً و امتحاناً ، يُقال : بلاه يبلوه إذا اختبره ، و لا يقال من الاختبار إلا بلاه يبلوه .
و البلاء بالمعنى الثاني مرادف للابتلاء ، فهما بمعنىً ، و هو المقصود فيما نحن بصدده .
قال ابن منظور [ في مادة بَلا من المجلد الرابع عشر من لسان العرب ] : ( و ابْتَلاه الله : امْتَحَنَه ، و الاسم البَلْوَى و البِلْوَةُ و البِلْيَةُ و البَلِيَّةُ و البَلاءُ ، و بُلِيَ بالشيء بَلاءً و ابْتُلِيَ ؛ و البَلاءُ يكون في الخير و الشَّر ، و الجمع : البَلايا .
و يقال : أَبْلاه الله يُبْلِيه إبْلاءً حسناً إذا صنع به صُنْعاً جميلاً.
و بَلاه اللهُ بَلاء وابْتَلاه أي: اختَبره .
و التَّبالي : الاختبار .
و البَلاء : الاختبار ... الخ .
و الذي يهمنا في موضوع بحثنا هذا هو المعنى المتبادر من الابتلاء عند ذكر ما يترض له المؤمن في حياته من سراء و ضراء ، و هو الاختبار و التمحيص المقرون – غالباً – بالشدائد و المحن ، و المصائب و الفتن .


محبة الرحمن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إرتباطات دعائية