| تــــــــــابع
* الخداع
11 - كان عنصر المباغتة في الإستراتيجية المصرية محوريا فيما اعتمد على إقناع العدو بأن مصر ليست في مزاج يسمح لها بالهجوم، ولا بد أن يعود الفضل في نجاح هذه المهمة الصعبة الى الرئيس نفسه، فالخطة وكما خرجت لم تحمل فقط بصمته التي لا تخطئها العين، ولكنها اعتمدت عليه شخصيا ليراها تمضي. وفي هذا السياق علينا أن نعطي تقديرا أكبر لتجربته الطويلة في التآمر والمؤامرة، ومن المؤكد أنه وظفها بطريقة جيدة، إذ كان عليه أولا أن يحصن موقعه، فهو ومع تعاطيه الحاد مع انتقادات الطلاب والصحافيين مطلع العام، قام بتشكيل مجلس وزراء جديد في 26 مارس بنكهة مدنية ظاهرة، وقد احتفظ فيه بالرئاسة لنفسه، ربما ليتجنب الاحتكاكات بين السياسات القديمة والجديدة التي يكون عليه ملاحقتها في الشهور القادمة، ومن ثم تقدم ليلعب اللعبة القديمة لصراخ وحش لم يبلغ فحولته، فيما تم عن عمد رفع السخونة العسكرية والسياسية خلال شهر مايو ـ كمقدمة أو استهلال ـ وبهكذا هدف أحيط الصحافيون ـ لقمة نيكسون برجينيف في 18 يونيو. وسمح للاشاعات بالانتشار بحرية في القاهرة لجهة حرب قادمة وتحركات واسعة للقوات المسلحة وممارسة التعبئة، بل ان إشارات بأن اكتمال القمر في منتصف يونيو قد يكون إشارة محتملة لهجوم مصري قد صدرت عن بعض المراقبين.
12 ـ في المقابل، وحين لم تتشكل صورة فعل مصري بعد انتهاء قمة نيكسون ـ برجينيف، استرخى الجميع فيما مضى السادات خلال شهري يوليو وأغسطس يغذي تلك الحالة باحاديث تآمرية عن السلام، مثلما دعا المؤتمر الوطني في الخريف لدراسة مشاكل مصر على المدى الطويل وتحدث عن التحرير الاقتصادي وكأن ذلك هو اهتمامه الأساسي (رغم أنه جعل مسألة تحرير سيناء هدفا أساسيا له)، بل انه خرج عن سياقه في الذكرى الثالثة لوفاة جمال عبد الناصر (28 سبتمبر)، الى القول إنه لم يشر الى الحرب كوسيلة لتحقيق غايات مصر. وقد تأكدت أنا الآن من السبب، بعدما كنت قد هنأته على ذلك الخطاب قبل فترة قليلة من اندلاع الحرب، فبدا لي مسرورا كتلميذ مدرسة. تم الإعلان عن أن وزير الدفاع الروماني سيزور مصر يوم 7 أكتوبر، وأوردت «الأهرام»، من الواضح بصورة موجهة، أن ضباط القوات المسلحة المصرية سيسمح لهم بأداء العمرة مع نهايات شهر رمضان (بدأ يوم 25 سبتمبر). كان من المعروف جيدا أن تدريبات عسكرية واسعة للجيش تأخذ مكانها على ضفة القناة، ونحن لاحظنا شحنات لآليات ثقيلة تتجه نحو القناة مع نهاية سبتمبر، كجزء من تلك التدريبات، ولكن أحداثا كهذه أصبحت معروفة، فيما انتشرت أخبار عبر قنوات كثيرة بأن هذه التدريبات ستنتهي يوم 7 أكتوبر. كما وصلتنا في نفس هذا الوقت تقارير عن وصول لصواريخ سام -6 وصواريخ ساغر المضادة للدبابات، ولكن تم التقليل من شأنها بصورة كبيرة أو أخذت كشيء يتعلق بمنظور في المدى البعيد.
* ثالثا: القتال المرحلة الأولى:
* أصبحت تدريبات القناة فجأة ومن غير إنذار (حتى بالنسبة للجنود المشاركين فيها) أمرا حقيقيا، والى ذلك مضت الحلقة الأولى من الخطة المصرية كما تعمل الساعة وأسفرت، وعلى غير المتوقع عن خسائر مصرية طفيفة، بدأ الهجوم أولا بقوارب مطاطية ومن بعد ذلك بحوالي 11 جسرا عائما بنيت بسرعة فائقة تحت وابل من القصف بالمدفعية وهو الآخر تحت وابل من الهتاف وفق ما ورد بـ«الله أكبر» (أي الله عظيم) رددتها مكبرات صوت على طول الجبهة، وقد أدت هكذا هتافات الى شحن الجنود بطاقات روحية الى الحد الذي زعم فيه كثيرون بأنهم رأوا كلمات (الله أكبر) مكتوبة في سماء سيناء، فيما ضرب أحدهم على وتر فكرة ذكية بتزويد القادة ممن يعبرون الى سيناء بأعلام مصرية لتثبيت أي منها على رأس كل نقطة عالية حال ما يتم الاستيلاء عليها. كانت الجسور مع حلول الظلام آمنة، وبحلول مساء 8 أكتوبر كانت كل الضفة الشرقية تحت القبضة المحكمة لليد المصرية ومعها انتهت الحلقة الأولى.
الحلقة الثانية:
14 - في الفترة من 9 الى 15 أكتوبر، وبينما المعركة على مرتفعات الجولان على أشدها، أغرق المصريون بالرجال والمعدات الضفة الشرقية الى أن كان لهم 5 فرق من المشاة ربما بلغ عددهم 100.000 عنصر مدعومين بالسلاح متركزين في مواقع حيوية، فيما بقيت القوة الكبرى منهم كاحتياطي غرب الضفة. وزعم الجنرال اسماعيل خلال الأسبوع أنه دمر 150 دبابة اسرائيلية من دون أن يغامر بالتحرك من مواقعه الجديدة، التي كانت وقتها قد امتدت الى أكثر من 10 أميال خلف القناة، فيما ظل الإسرائيليون يتعاطون مع معارك سورية ثقيلة على عتبة بابهم حتمت عليهم أن يوجهوا جهدهم الأساسي لاحتوائها أولا ومن ثم طردها. وعلى جبهة سيناء أيضا واجهوا مصاعب غير متوقعة في الجو، إذ يبدو أن سلاح الجو الإسرائيلي قد حاول في وقت مبكر تدمير سلاح الجو المصري وهو على الأرض مثلما فعلوا بنجاح في 1967، ولكن المصريين قد استوعبوا درسهم، وسلاح جوهم الآن في مأمن تحت أغطية خرسانية، حينما لا يكون محلقا فيما وطدت قواتهم البرية مواقعها في حدود مدى حزام صواريخ سام بالضفة الغربية مستخدمين هذه الشاشة من الصواريخ كنوع من أنواع الدفاع الفعالة.
* الحلقة الثالثة:
15 - افتتحت الحلقة الثالثة من القتال بتقدم مصري بحوالي 6 ـ 10 كيلومترات على طول الجبهة، ومن الواضح أن ذلك جاء تجاوبا مع طلب سوري لتخفيف الضغط على الجبهة الشمالية، وتبع ذلك وبسرعة الهجوم المرتد الإسرائيلي الذي طال انتظاره، وقد بدأ ذلك يوم 15 أكتوبر بتسرب قوة مهام خاصة صغيرة عبر النهاية الشمالية لبحيرة بيتر الكبرى، وفي اليوم التالي، وبعد معركة دبابات كبرى نجح الإسرائيليون في تنظيف ممر الى القناة تمكنت ثلاثة ألوية مسلحة من الانتقال الى الضفة الغربية، فيما تزامنت النقطة التي تم اختيارها للهجوم مع الخط أو «الفجوة» بين الجيشين المصريين الثاني والثالث. وبكل المقاييس، فقد كان المصريون بطيئين جدا في التحقق من مدلولات هذا الاختراق الإسرائيلي، واضاعوا وقتا ثمينا قبل أن يقدموا على الهجوم المضاد وفوق ذلك بقوة غير كافية، وقد كسب الانطباع أرضيته لدى اسرائيل، فيما أعلن المصريون أن العبور الإسرائيلي يتسع وأن القوات الإسرائيلية تضرب في كل الاتجاهات، فتاه سلاح الجو المصري بطلعات في السماء ولكن من دون أثر فعال. 16 ـ ظل الوضع على الأرض مرتبكا ومربكا بحلول وقت وقف إطلاق النار الذي تحددت له الساعة 7 بعد الظهر من يوم 22 اكتوبر، ولكن بدا أن الإسرائيليين قد أمنوا رقعة على الضفة الغربية لبحيرة بيتر باتساع يتراوح بين 10 الى 15 كيلومترا بامتداد من نقطة تبعد 10 كيلومترات جنوب الإسماعيلية الى نقطة ما شمال طريق السويس، ويبدو أنهم لم يقطعوا طريق السويس الى وقت ما قبل 23 أو 24 أكتوبر، ومن ثم حاصروا تلك العناصر من الجيش المصري الثالث في السويس وفي الضفة الشرقية. والى ذلك أصبح وقف إطلاق النار الثاني الذي حمله قرار الأمم المتحدة رقم 339 يوم 23 أكتوبر فعالا بوصول البعثة الأولى من قوات طوارئ الأمم المتحدة الى القاهرة ليل 25 أكتوبر، فيما كان الإسرائيليون وبحلول ذلك الوقت قد عزلوا حوالي 20 ألف جندي مصري من الجيش الثالث عن قاعدة إمدادهم.
__________________ Art is everything ... Everything is Art |