الموضوع
:
شهـــــر محــــــرم
عرض مشاركة واحدة
18-02-2005, 03:34 AM
#
5
(
permalink
)
محبة الرحمن
قلم من الماس
الصيام في شهر محرم
2005/02/17
الشيخ عبد الهادي حسن وهبي**
قَطَعْتَ شُهورَ العـامِ لهـوًا وغفلةً *** ولم تحترم فيمـا أتَيْتَ المُحَرَّمــا
فلا رجَبــًا وافَيْتَ فـيه بِحَقِّـهِ *** ولا صُمتَ شهر الصوم صومًا مُتَمَّما
ولا في ليالي عشرِ ذي الحجةِ الذي *** مضى كُنْتَ قَوَّامًا ولا كُنْتَ مُحْرِما
فَهَل لك أن تمحو الذُّنوب بِعَبرةٍ *** وتبكي عليهــا حسرةً وتنَدُّمـا
وتستقبلَ العــامَ الجديدَ بِتَوبةٍ *** لعلَّك أن تمحو بهـا مــا تَقَدَّمـا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم. وأفضل الصَّلاة بعد الفريضة، صلاة الليل" رواه مسلم، سمَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم المحرَّم شهر الله. وإضافته إلى الله تدلُّ على شرفه وفضله؛ فإنَّ الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواصَّ مخلوقاته، كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- إلى عبوديَّتِه، ونسب إليه بيته وناقته
.
ولمَّا كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصِّيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى؛ فإنَّه له من بين الأعمال، ناسب أن يختصَّ هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه، المختصِّ بهِ، وهو الصِّيام.
شهرُ الحَرَامِ مُبَاركٌ مَيمُونًُ *** والصَّومُ فِيهِ مضَاعَفٌ مَسنُون
وَثُوابُ صَائِمِهِ لِوَجْهِ إِلَهِه *** فِي الخُلْدِ عِنْـدَ مَلِيكِه مخزون
إن الصِّيام سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى:
"كلّ عمل ابن آدم لهُ إلاَّ الصَّوم فإنَّهُ لي وأنا أجزي به، يدَعُ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابهُ من أجلي"
رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه وله رواياتٌ عدّة.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ في الجنَّةِ باباً يُقالُ لهُ الرَّيان يدخلُ منهُ الصَّائِمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحدٌ غيرهم يقال: أين الصَّائِمون؟ فيدخلون منهُ فإذا دخل آخِرُهُم أغْلِقَ فلم يدخُل منهُ أحدٌ"
رواه مسلم.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
"الصِّيامُ جُنَّةٌ منَ النَّارِ كجُنَّةِ أحدكم من القتال"
رواه أحمد بسندٍ صحيح.
وعن أبي أمَامَةَ رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ يا رسولَ الله مُرنِي بِعملٍ أدخُلُ بهِ الجنَّة . فقال: "عليك بالصَّوم، فإنَّهُ لا مِثلَ له" رواه ابن حبّان. قال: فكانَ أبو أُمامة لا يُرى في بيتِهِ الدُّخَّان نهارا إلاَّ إذا نزلَ بِهِم ضيف، فإذا رأوا الدُّخانَ نهاراً، عرفوا أنَّهُ قد اعتراهُم ضيفٌ.
ويقول صلى الله عليه وسلم للصَّائم فرحتان: فرحةٌ عندَ فِطرهِ، وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّهِ »
رواه مسلم فطوبى لِمن جوَّعَ نفسهُ ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن ظمَّأ نفسهُ ليوم الرِّيِّ الأكبر، طوبى لِمن تركَ شهوةً حاضِرةً لِموعِدِ غيبٍ لم يره، طوبى لمن ترك طعاماً ينفَدُ في دارٍ تنفَدُ، لدارٍ
(أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا).
مَنْ يُرِد مُلكَ الجِنَانِ *** فَليَدَع عَنهُ التَّوانـي
وليَصِلْ صَوماً بِصومٍ *** إنَّ هذا العيشَ فاني
وَليقُم في ظُلمةِ اللّـيـل إلى نور القرآن
إنَّما العَيـشُ جِـوارُ الله فِي دَارِ الأمـان
الدُّنيا كلُّها شهرُ صيام المتَّقين، وعيدُ فِطرِهِم يومَ لِقاء ربِّهِم، ومعظمُ نَهارِ الصِّيامِ قد ذهب، وعيدُ اللِّقاءِ قد اقترب.
وقدْ صُمتُ عن لذَّاتِ دهري كلّها *** ويومَ لِقاكم ذاك فِطْـرُ صِيـامِي
قالَ بعضُ السَّلف: صُمِ الدنيا وليكن فطركَ الموتُ .وقال غيرهُ:
فصُمْ يومَكَ الأدْنَى لَعلَّكَ في غدٍ *** تفُوزُ بِعيد الفِطرِ والنَّاسُ صُوَّم
فإن من صام اليوم عن شهواتِهِ أفطرَ عليها غداً بعد وفاتهِ، ومن تعجَّلَ ما حرِّمَ عليهِ من لذَّاتهِ عُوقِبَ بِحرمَانِ نَصِيبِهِ من الجّنَّةِ وفواتِهِ؛ شاهِدُ ذلك من شرِبَ الخَمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبِس الحريرَ لم يلبسْهُ في الآخِرة.
أنتَ في دارِ شتاتٍ فتأهَّبْ لِشَتــاتِك واجعلِ الدَّنيا كيومٍ صُمْتَهُ عن شهواتِك
وليكن فِطْرُكَ عندَ اللّـهِ فِي يومِ وفاتِـك
قَالَ الله تَعَالَى:
{وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيم}
(يونس: 25).
إن الجَنَّةُ ضِيافةُ الله أعدَّها لعِبادهِ المؤمنينَ نُزُلا، فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمِعت، ولا خطرَ على قلبِ بشر. وبُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدعو إليها بالإيمانِ والإسلامِ والإحسان، فمن أجابهُ دخل الجنَّةَ وأكل من تلك الضِّيافة، ومن لم يُجِب حرِم.
يا من طلعَ فجرُ شيبِهِ بعد بلوغِ الأربِعينَ! يا من هو في مُعتركِ المنايا ما بين السِّتِّينَ والسَّبعينَ! ما تنتظِرُ بعدَ هذا الخَبرِ إلاَّ أن يأتيكَ اليقين؟ يا من ذُنُوبُهُ بِعددِ الشَّفعِ والوتْرِ! أما تستحي منَ الكِرامِ الكاتِبينَ؟ أم أنتَ ممَّن يُكذِّبُ بيومِ الدِّين؟ يا من ظُلمَةُ قلبِهِ كاللَّيلِ إذا يسْرِي! أما آنَ لِقلبِكَ أن يستنيرَ أو يلين؟ تعرَّض لِنفحاتِ مولاكَ في هذا الشَّهرِ؛ فإنَّ للهِ فيهِ نفحات يصيبُ بِها من يشاء، فمن أصابتهُ سَعِدَ بِها آخرَ الدَّهرِ.
الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذهِ الأيام العظيمة، فما منها عِوضٌ ولا لها قيمة . المُبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجومِ الأجل، قبلَ أن يندمَ المُفرِّطُ على ما فعل، قبلَ أن يسألَ الرَّجعةَ ليعملَ صالِحاً فلا يُجابُ إلى ما سأل، قبلَ أن يَحولَ الموتُ يبنَ المُؤمّل وبلوغِ الأمل، قبلَ أن يصِيرَ المرْءُ مرتهناً في حفرتِهِ بِما قدَّمَ من عمل.
صيام يوم عاشوراء:
عن أبي قَتادةَ رضي الله عنه قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامِ يومِ عاشوراء؟ فقال: "يكفِّرُ السَّنَةَ الماضِية" قطعة من حديثٍ رواهُ مسلم.
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المَدينةَ فوجدَ اليهودَ صياماً، يومَ عاشوراء. فقالَ لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا هَذَا اليوم الّذي تصومونهُ؟" فقالوا: هذا يومٌ عظيم، أنجى اللهُ فِيهِ موسى وقومَهُ، وغرَّقَ فرعونَ وقومَهُ، فصامَهُ موسى شكراً، فنحنُ نصومُهُ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فنحنُ أحقُّ وأولى بِمُوسى مِنكم" رواه مسلم. فصامَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأمرَ بصيامِه.
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما قال: صَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ عاشُوراء وأمَرَ بِصِيامِهِ، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ يَومٌ تُعَظِّمُهُ اليَهودُ وَالنَّصَارَى. فَقالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَإذا كَانَ العامُ المُقْبِلُ، إِن شَاءَ اللهُ، صُمْنَا اليَومَ التَّاسِع" قال: فَلمْ يَأتِ العامُ المُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رواه مسلم.
وفي الختام فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإنَّ لله نفَحَات من رحمتهِ، يصيب بها من يشاء من عبادهِ، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، وأن يؤمِّن رَوْعَاتكم" أخرجهُ الطبراني في "الكبير" وحسَّنَهُ الألباني.
فالسَّعيدُ من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّبَ فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطّاعات، فعسى أن تصيبه نفحةٌ من تلك النفحات، فيسعد بها سعادةً يأمن بعدها من النَّار وما فيها من اللفحات.
فمن أعظم نفحَاتِهِ مصادفة ساعة إجابة يسأل فيها العبد الجنَّة والنَّجاة من النَّار، فيُجابُ سُؤاله، فيفوز بسعادة الأبد. قال الله تعالى:
{فَمَنْ زُحْزِحَ عِنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}
(آل عمران: 185).
وقال الله تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِيْنَ شّقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك إِنَّ ربكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَّنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّك عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذ}
(هود: 106-108).
ليسَ السَّعِيدُ الّذِي دُنْيَاهُ تُسْعِدُهُ *** إِنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مَنَ النَّار
--------------------------------------------------------------------------------
** المدرس بمعهد الإمام البخاري للعلوم الشرعية/ لبنان.
محبة الرحمن
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى محبة الرحمن
البحث عن المشاركات التي كتبها محبة الرحمن