تقدير وتثمين
تقدير وتثمين
1 ـ هذا الكتاب هو خلاصة بحوث درست في جامعة الزهراء عليها السلام في مدينة قم سنة 1989م وألقيت على الاخوات من طلبة العلوم الدينية اللواتي يدرسن في مستويات عالية من العلوم المعقولة والمنقولة .
2 ـ نقد بعض الشبهات الفقهية ، التفسيرية وغيرها جرى بتعاون هؤلاء الطالبات .
وقد وافقن باخلاص كامل على تحمل عناء نقل البحوث من الأشرطة المسجلة والقيام بتنقيح ابتدائي وتصحيح وتنظيم لها .
لذا أشكر المسؤولات المحترمات في جامعة الزهراء عليها السلام والمدرسين والمدرسات والطالبات في هذا المركز العلمي .
3 ـ جزء مهم من مواضيع هذه المقدمة كان ثمرة ندوة أقيمت من قبل المسؤولين المحترمين لاذاعة وتلفزيون الجمهورية الإسلامية في إيران حول
مكانة المرأة وسيرتها الإسلامية في السلوك والكلام والكتابة ، وتقديم فن ممدوح وإيجاد العاطفة والمرونة في المجتمع ، مع تحرز كامل عن التهتك .
4 ـ جزء آخر من بحوث هذه المقدمة كان إجابة عن عدة أسئلة علمية طرحت من قبل المسؤول المحترم لمركز دراسات شؤون المرأة ، حيث خصص له حصة مستقلة من هذه المواضيع لاحتوائه معارف قرآنية رفيعة . وأشكر جهود المتصدين لذلك المركز ، وادعو لهم بالسعادة والنجاح في معرفة جلال وجمال المرأة .
5 ـ التنقيح النهائي والتصحيح والتنظيم الكامل والاشراف العلمي كان بعهدة حجة الإسلام السيد محمود اللطيفي من مدرسي جامعة الزهراء عليها السلام المحترمين. أرجو له النجاح في عمله والثواب عند رب العالمين .
6 ـ الطبع المصحح والفني لهذا الكتاب تولاه مركز الرجاء للنشر الثقافي . أرجو له الصلاح والفلاح والنجاح .
الجوادي الآملي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
« قال أمير المؤمنين علي عليه السلام عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم »
( أمالي الصدوق المجلس الأربعون )
كل كائن هو مظهر اسم من الاسماء الإلهية ؛ لأن الخلق الذي هو من الأوصاف الفعلية لله ، وليس من أوصافه الذاتية ، هو عبارة عن تجلي الخالق في وجوه الكائنات المتنوعة ؛ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( الحمد لله المتجلّي لخلقه بخلقه ) (1) . عنوان التجلي من ألطف التعابير العرفانية التي ذكرت في القرآن وأحاديث العترة ، واستقطب السالكين ذوي التفكير البعيد والنظرة البعيدة ؛ لأن السالك المحب يعرف العلامة المقصودة قبل الباحث المفكر ويلتذ بها ، ولا يكتفي أبداً بسماع صوت جرس قافلة طريق الحق بل يسعى للعبور من العلم إلى العين ومن السماع إلى اللقاء .
___________
(1) نهج البلاغة ، الخطبة 108 .
ان تجلي الحق له درجات متنوعة بعضها عامل لانهيار الجبل الراسخ الذي هو حافظ ومثبت للأرض ؛ ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً ) (1) ، وبعضها أساس إقامة اقدام المنكسرين وايصالهم من حضيض الذلة إلى ذروة العزة ؛ كما ان رفع المستضعفين ووضع المستكبرين (2) قائم على هذا الأساس أيضاَ .
إن التشكيك المشهود في درجات التجلي يعود إلى درجات الظهور التي يتأمن بها العرفان ، وليس إلى درجات الوجود حيث تنظم الحكمة المتعالية على ذلك الأساس ، لأن عالم الخلق بجميع شؤونه المتنوعة أقل من ان يكون مساهماً في أساس الوجود فشدته وضعفه هو في الظهور وليس في الوجود .
إن تجلي الحق يكون أحياناً عامل موت ، وأحياناً أساس حياة . كما أن ملك الموت كملك الحياة كلاهما تجلّ لله ، يظهر أحدهما حين إعطاء الأرواح للأحياء والآخر حين قبض الأرواح منهم ، لذا ذكر الإمام السجاد عليه السلام مسألة قبض روح الإنسان بواسطة عزرائيل عليه السلام باعتبارها تجلّي ملك الموت من حجب الغيب فقال : ... وتجلى ملك الموت لقبضها من حجب الغيوب (3) . من هنا فإن إماتة الحق هي تجلّيه ، كما أن إحياءه هو تجلّيه .
ان أنسب تعبير لعالم الامكان هي عبارة ( آية ) ، بمعنى العلامة التي ترافقها الثقافة الفنية والقوية للقرآن ، ولأن كل موجود إمكاني بكل ذاته وصفته وفعله هو آية لله . فهو ليس لديه شيء من نفسه ، لأنه يكون في ذلك
____________
(1) سورة الأعراف ، الآية : 143 .
(2) دعاء الافتتاح .
(3) الصحيفة السجادية ، الدعاء 42 .
الحال حاجباً وليس آية . لأن المستقل لا يبين غيره ، وإن تصور الاستقلال هو أيضاً حاجب شهود يمنع من مشاهدة الله المتجلي ، مع ان وجه الله ظاهر أينما تنظر : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ، ولكن الإنسان المختال والمتوهم الذي يعيش في حجاب وهم الانانية أو الغيرية محروم من لقاء الحق .
ولأن الله هو بسيط الحقيقة وليس فيه آية كثرة وتعدد ، لذا فأوصافه الذاتية هي عين ذاته بناء على هذا فإن اسماءه الحسنى كلها آية الذات الأحدية ، أي أن كل اسم معه جميع الكمالات الذاتية والوصفية والفعلية ، واختلاف الاسماء الإلهية بغض النظر عن المحيط والمحاط ، وبصرف النظر عن التقسيمات الأخرى ، هو في ظهور وخفاء الكمالات فقط ، أن أن كل اسم فيه جميع الكمالات الإلهية ومظهرها كلها ، ولكن هناك اختلاف بين الاسماء في ظهور وخفاء تلك الكمالات . بناء على هذا فان مظهر كل اسم لديه كمالات الاسماء الأخرى ، وان لم تظهر الكمالات المزبورة فيه فعلاً .
ان الجلال والجمال وهما من الاسماء الإلهية لهما مظاهر متنوعة ، ولكن لأن جلال الحق كامن في جماله وجماله مستور في جلاله فان الشيء الذي هو مظهر الجلال الالهي فيه جمال الحق ، والشيء الذي هو مظهر جمال الله يكون فيه الجلال الالهي . والمثال البارز لاستتار الجمال في كسوة الجلال يمكن استنباطه من آيات القصاص والدفاع ، أي أحكام القصاص والاعدام ، والاماتة وإرافة الدماء ، والقهر ، والانتقام ، والغضب والسلطة ، والاستيلاء وأمثالها ، التي تعد من مظاهر الجلال وجنوده الخاصّين ، ويقابلها الإحياء وصيانة الدم والرأفة والتشفي ، والسرور وأمثالها التي تعد من مظاهر الجمال وجنوده الخاصّين ، كما يقول الله صاحب الجلال والجمال : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) (1) ، أي أن هذا
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 179 .
الإعدام الظاهري ينطوي على إحياءت في باطنه ، ويمنع من القضاء الظالم للآخرين ، وهذا الموت الفردي يؤمن الحياة الجمعية للمجتمع ، وهذا الغضب الزائل تتبعه رحمة مستمرة و ... وكما يقول تعالى بشأن الدفاع المقدس والقتال عند هجوم الأعداء : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) (1) هذه الآية نزلت في سياق آيات القتال والدفاع . وهي سند ناطق لدفع توهم الذين كانوا يرون ان الموت في سبيل الله فناء ويتصورن أن الجهاد والدفاع هلاك ، وخلاصته مضمونها هو أن محاربة محاربة المعتدين والثورة على القهر والاقدام في ساحة الحرب مع الباطل هي مظهر الجلال الالهي ، ولكن يرافقها الصلح مع الحق والتسليم أمام القسط والعدل وتأمين حياته والآخرين ، وهي كلها من مظاهر جمال الله . طبعاً جميع الأوامر السماوية هي حياة ، والحياة لا تختص بالجهاد والدفاع ، لكن الآية المتقدمة نزلت في قضية الحرب مع الباطل والايثار والتضحية في طريق الحق ، حيث يقول : إن اجابة دعوة منادي الجهاد تضمن حياتكم ، كما يقول بعد القيام والاقدام والجهاد والاجتهاد والحضور في ساحة محاربة الظلم ونيل مقام الشهادة الشامخ : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) (2) فالدفاع وهو مظهر جلال الله سيكون عاملاً ضامناً للحياة الفردية والجماعية وضامناً لحياة سليمة في الدنيا والآخرة ، وهذا هو استتار الجمال في ظل الجلال واشتمال كسوة الجلال على نواة مركزية للجمال .
ويلزم التوجه إلى أن انسجام الغضب والرحمة وتضامن الجلال والجمال لا يختص بالمسائل المذكورة كالقصاص والدفاع ، بل هو كامن في
____________
(1) سورة الأنفال ، الآية : 24 .
(2) سورة آل عمران ، الآية : 169 .
كل الشريعة ومشهود في كل شؤونها ، بحيث أن كل إرادة كامنة في الكراهة ، وكل اشتياق مستتر في الاستياء ، لذا يقول تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ) (1) ، أي أن القتال الذي يعد ظاهراً شراً وعامل كراهة في داخله خير وسيكون أساس إرادتكم ، وفي المسائل العائلية أيضاً يعد تحمل بعض المصائب شرّاً في الظاهر ولكن سوف يكون في داخله خير لا يحصى وهو ترسيخ الأسرة وحراسة كيانها ، كما قال : ( فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) (2) ، الخلاصة هي أن التكليف الإلهي وان رافقه كلفة ومشقة فهو بدوره آية لجلال الله ، ولا يكون باطنه إلا تشريفاً وهو آية جمال الله . لذا يتشرف كل مكلف ، وهذه الكلفة والمشقة العابرة في امتثال الأوامر الالهية تجلب شرفاً راسخاً ، من هنا نقرأ في القرآن الكريم بعد الأمر بالوضوء والغسل والتيمم « ان الله يريد أن يطهركم » أي ان هذا التكليف الظاهري يرافقه تطهير معنوي يعمل على ضمان جمال القلب : .. ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) (3) ، فكما أن زكاة المال هي ظاهراً عامل نفاده ونقصانه ، ولكن باطنها معبأ بالنمو والنضج ، ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) (4) ، ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) (5) والشاهد على استتار الجمال في كسوة الجلال هو ان الجنة تقع في باطن مشقات ومصاعب السير والسلوك والصبر والاستقامة في الجهاد الأصغر والأوسط والأكبر : حفّت الجنة بالمكاره . كما أن الجلال
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 216 .
(2) سورة النساء ، الآية : 19 .
(3) سورة المائدة ، الآية : 6 .
(4) سورة البقرة ، الآية : 276 .
(5) سورة الروم ، الآية : 39 .
واقع في باطن بعض الجمالات : حفّت النار بالشهوات ، لأن الشهوات واللذات والنشاطات وأمثالها هي مظاهر الجمال ، وإذا لم توازن وتجاوزت حد الحلال وأخذت جنبة حيوانية محضة فانه سيرافقها في باطنها غضب الله .
أن أهم مثال لاختفاء الجمال في وجه الجلال وأفضل شاهد على أن الجمال كامن في ظل الجلال وعلى استتار الرحمة في كسوة الغضب هو تبيين وضع جهنم أو أنواع العذاب الأخرى كما في سورة الرحمن التي نزلت للتذكير بالنعم الالهية الخاصة وتطلب من جميع المكلفين اعترافاً وتسد عليهم طريق أي نوع من التكذيب ، أعلن فيها أن جهنم ونيرانها المحرقة نعم إلهية خاصة ، ويؤخذ من الجميع إقرار بأن تكذيبها لا يجوز ، ولا يمكن إنكار أصل وجودها وكونها نعمة إلهية ، قال تعالى : ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأي آلاء ربكما تكذبان ) (1) ، وكما ان عذاب جهنم يرافقه انسجام الجلال والجمال ، كذلك عذاب الاستئصال وتدمير الدنيا يرافقه انسجام الغضب والرحمة وجلب النقمة والنعمة معاً ، كما يستفاد من الآيات : ( وانه هو ربّ الشعرى * وانه أهلك عاداً الأولى وثمودا فما ابقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأي آلاء ربك تتمارى ) (2) ؛ لأن اسقاط الطواغيت والنظام الظالم القمعي يعدّ من الآلاء والنعم الإلهية . ولا يرى جواز أية مرية وشك في ذلك ، ورغم أن إنكار نعم الله وكفرانها له جزاء كجزاء الأقوام المذكورة ولكن ظاهر الآيات المذكورة هو أن إسقاط نظام الظلم قائم على أساس الرأفة الإلهية بالمحرمين ، أي ان تلك الرأفة والجمال ظهرتا في ظل الغضب والجلال واختلط رفع
____________
(1) سورة الرحمن ، الآيات : 43 ـ 45 .
(2) سورة النجم ، الآيات : 49 ـ 55 .
__________________ No Signature
فريق على خطي الحبيب |