عرض مشاركة واحدة
قديم 10-02-2005, 05:36 AM   #2 (permalink)
محبة الرحمن
قلم من الماس
 

محبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائه


افتراضي



رابعا: كيفية المحاسبة:

بين بعض العلماء أن المحاسبة تكون على نوعين:

النوع الأول: محاسبة قبل العمل، وهي: أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.

قال الحسن: "كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقف". قيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة؟ فقال: "كما أنت حتى أنوي، ففكر هنيهة، ثم قال: امض".

أنواع المحاسبة:

أ- محاسبتُها على التقصير في الطاعات في حق الله تعالى وذلك يكون بأن يديم سؤال نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصا فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان مقصّرا ـ وأيّنا يسلم من ذلك؟ ـ فليسد الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللوم يخف التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة.

ب– القسم الثاني من المحاسبة بعد العمل محاسبة النفس على معصية ارتكبتها: قال ابن القيم في ذلك: "وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته عز وجل وجنايتك؛ فحينئذ يظهـر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب.

وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل... فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها: [أنها] الجاهلة الظالمة، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدا. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير البتة؛ فهناك تقول حقا: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي".

وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطولة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحية والمذهبة للسيئات. قال سبحانه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود: 114).

فالبدارَ البدارَ يا عبد الله قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء وأنت مُصِرّ على تلك المعصية ولم تتب منها. وتذكّر الحشر والنشر وهول جهنم وما أعده الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نار قال فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم: "إن أهون أهل النار عذابا رجل انتعل نعلين يغلي منهما دماغه".

فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقا في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب -ومن منا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟!- نسأل الله اللطف والتخفيف.

ج- محاسبتها على أمر كان تركه خيرا من فعله، أو على أمر مباح، ما سبب فعلِه له؟ فيُوجه لنفسه أسئلة متكررة: لِمَ فعلت هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة.

وأما المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحا لي؟ أو فعلته عادة وتقليدا بلا نية صالحة ولا قصد في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثر في قسوة القلب وزيادة الغفلة؛ فكل هذه الأسئلة غاية في الأهمية حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور.

أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: "إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي؛ ولكن –واللهِ- ما من صلة إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ والله ما لي عذر بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله.

إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله".

وبالجملة؛ فلا بد للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتهـا وتذكيرها كلما وقعت منها زلة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني.


محبة الرحمن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس