عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 10-02-2005, 05:27 AM
محبة الرحمن محبة الرحمن غير متواجد حالياً
قلم من الماس
 



محبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائهمحبة الرحمن قيم وسط زملائه



AddThis Social Bookmark Button


بين يدي عام هجري جديد

** الشيخ/ هيثم جواد الحداد


قبل أيام ودعنا عامًا هجريًا وبدأنا عامًا آخر، انقضت صفحة من صفحات حياتنا، ولا ندري عما طويناها، هل سودناها بسوء أعمالنا، أم بيضناها بصالح قرباتنا.

والمسلم الصالح من تكون له وقفات دائمة مع نفسه ليحاسبها ويصحح مسيرته ويتدارك خطأه، لا سيما عند انقضاء مرحلة من مراحل عمره.

إن النفس سريعة التقلب، ميالة في كثير من الأحيان إلى الشر، كما قال الله تعالى عنها: {إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53).

ومـن هنـا كـان لزاما على كل عبد يرجو لقاء ربه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طِــوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها.

قال أبو حامد الغزالي: "اعلم أن العبد كما (ينبغي أن) يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم، حرصا منهم على الدنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيـرة لهم في فواته... فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك".

أولا: معنى المحاسبة:

المحاسبة يا عباد الله كما قال الماوردي: "أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودا أمضـاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في الـمستقبل" يقول ابن القيم رحمه الله: "المحاسبة أن يميز العبد بين ما له وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود".

وأما الحارث المحاسبي فقد عرّفها بقوله: "هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه، وكف جوارحه عمّا كرهه الله عز وجل ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه".

ثانيا: أهمية محاسبة النفس:

لمحاسبة النفس فوائد كثيرة متعددة:

1- فمنها أن غيابها نذير غرق الأمة في لجج من بحار الفساد والتيه المنتهية بنار وقودها الناس والحجارة، وأن الفساد في الدنيا إنما يكون ظاهرا جليا حينما لا يتوقع المجتمع أو الفرد حسابا، لا يتوقع حسابا من رب قاهر أو من ولي حاكم أو من مجتمع محكوم أو من نفس لوامة، وحينما لا يتوقع المجتمع والفرد حسابا على تصرفاتهم فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون ويموجون كما يشتهون وكما تهوى أنفسهم فيتقلبون على الحياة ودروبها بلا زمام ولا خطام فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا . وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [النبأ: 27-28].

2- ومنها الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن اطلع على عيوب نفسه، أنزل نفسه المنزلة الحقيقة لا سيما إن جنحت إلى الكبر والتغطـرس. وما من شك أن معرفـة العبد قدر نفسه يورثه تذللا لله وعبودية عظيمة لله عز وجل، فلا يمن بعمله مهمـا عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".

3- ومنها أن يتعرف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعا له عـن فعل كل مشين وقبيح؛ وعنـد ذلك يعلـم أن النجـاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

4- من فوائد المحاسبة كذلك أنها تزكي النفس وتطهرها وتلزمها أمْر الله تعالى. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. وقال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا".

5- إن المحاسبة تربي عند الإنسان الضمير الحي داخل النفس، وتنمي في الذات الشعور بالمسئولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هـو ميزان الشرع.

6- يقول ابن الـقيم رحمـه الله وهو يحذر من إهمال محاسبة النفس: "أضر ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها".

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضـاع وإن تفطمه ينفطـم

فاحـذر هواها وحـاذر أن توليـه إن الهـوى ما تولى يعم أو يصـم

وراعها وهي في الأعمـال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم

كـم حسـنت لـذة للمـرء قاتلـة من حيث لم يدر أن السم في الدسم

وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضـاك النصـح فاتهم


إذا كان أرباب الأعمال وأرباب الدنيا يجعلون المحاسبة والتدقيق والمراجعة من أهم مراحل العملية الإدارية، فبدون هذه المراحل تكون المنشأة عرضة لفشل محقق، فما بالكم بهذا الإنسان المسكين الضعيف الذي يقطع مراحل حياته ليلقى ربه، فإما فوز ونجاة، وإما خسارة وعذاب.

يا من تعيشون في هذه الديار التي علا فيها صوت الشيطان، وأجلب على أهلها بخيله ورجله، نحن في حاجة أكبر لمحاسبة النفس، المعاصي تغزونا حتى في دورنا وبين أهلينا، والغفلة رانت على قلوبنا، وطاعة الله بعيدة عنا.

ثالثا: فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك:

يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر: 18). قال صاحب الظّلال: "وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدم لغـده في هذه الصفحة. وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا ورصيده من البر ضئيلا؟! إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا، ولا يكف عن النظر والتقليب".

قال الحسن البصري في تفسير قول الله عز وجل: {وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة: 2). "لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه".

ويقول الله عز وجل في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلة والتقصير ويرجعون عما كانوا عليه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201).

قال الفاروق عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: 18).

ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله: "المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة". ويقول ميمون بن مهران: "إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه".

--------------------------------------------------------------------------------
** أحد العلماء المقيمين في لندن




مواضيع اخرى بواسطة محبة الرحمن:
» بمناسبة عيد الحب
» حكم التهنئة والاحتفال بالعام الهجري الجديد
» وافضيحـــــــتاه (( شاهد صور فتياتنا بالبلوتوث))
» كم تشتكي
» صور انفجار عبد المنعم رياض

رد مع اقتباس